أرشيف الوسم: مارلون براندو

حقائق قد لا تعرفها عن Magnolia (الجزء الثاني)

عن رفض ثم قبول جيسون روباردز لدور إيرل بّاتريدج والسبب، ومن عُرض عليه الدور بين القبول والرفض. اختيار توم كروز لدور ت.ج. ماكي وأسباب اختياره وقبوله. البيتلز ودورهم في إيقاع الفيلم. الأفلام المؤثرة في نهج بول توماس أندرسون في صناعة الفيلم. أسباب توليه إعداد بوسترات وتريلرات الفيلم بنفسه. ارتجالٌ لا يُنسى من توم كروز ارتقى بالفيلم وأثره. جوليان مور وأغنية “Wise Up”، ومطر النهاية وعلاقته بالإنجيل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Magnolia

لم يكن روباردز قادرًا على قبول الدور في البداية بسبب إصابته بعدوى المكوّرات العنقوديّة، مما دفع أندرسون لعرض الدور على جورج كـ. سكوت الذي رفض برميه النص وقوله: “هذا أسوأ شيءٍ قرأته على الإطلاق. اللغة مُريعة”، ثم التفكير بـ مارلون براندو، إلا أن روباردز كان قد شُفي وقتها واستطاع القيام بالدور، وقال لاحقًا عن التجربة: “كان نوعًا ما من التنبؤي أن يُطلب مني لعب دور شخص يحتضر. كان من الصواب أن أقوم بالدور وآتي بما أعرفه عن الأمر إليه”. توفي روباردز بعد 18 يومًا من عرض الفيلم الأول وفي اليوم التالي من بدء عرضه في الصالات ليصبح آخر عمل سينمائي يقدّمه.

في حين كان بدايةً جديدة لـ توم كروز بعد أن شارك في آخر أعمال ستانلي كيوبريك. وذلك أتى نتيجةً لإعجاب كروز الشديد بـ “Boogie Nights” وطلبه من أندرسون أن يُشركه في عمله القادم خلال عمله على “Eyes Wide Shut”. وحدوث صدفة سماع أندرسون لتسجيل في أحد صفوف الهندسة التي يدرّسها صديقه يحوي محادثة بين اثنين عن طريقة إثارة إعجاب النساء مقتبسين من روس جيفريز، ليشكّل روس جيفريز جزءًا كبيرًا من إلهام شخصية ت.ج. ماكي. وفور إنهاء أندرسون النص أرسل نسخةً لـ كروز مقترحًا دور ماكي، شخصيةٌ فاجأت كروز وشكّلت تحدّيًا أثار حماسه بقدر توتّره، ليقبل كونه بحاجةٍ إلى نقلةٍ كهذه من شخصية مكبوتة في فيلم كيوبريك إلى هذه الشخصية المنطلقة غير المألوفة هنا.

والتي تُشكّل أحد الآلات في أوركسترا أندرسون، كونه ضبط إيقاع فيلمه حسب أغنية “A Day in the Life”، “هي تبدأ نوعًا ما بشكل بناءٍ تصاعدي، نوتةً بنوتة، ثم تتهاوى أو تتراجع لتُعيد البناء مجدّدًا”. كما أضاف لمصادر الإلهام فيلم “Network” لـ سيدني لوميت الذي عرضه لفريقه قبل البدء بتصوير الفيلم، ثم أفلامًا أخرى ميزتها الأولى الدفء كانت تُشاهد بدقة لمعرفة كيفية خلق ذاك الدفء وتطبيق ذلك على Magnolia ، أهمها “Ordinary People” لـ روبرت ريدفورد.

كان من الطبيعي بعد كل هذا رفض أندرسون قرار الشركة بتسويق الفيلم على أنه لـ توم كروز مما يُجهز الناس لغير ما سيشاهدونه ويضر بالفيلم وبتجربتهم معه، وقيامه بالنتيجة بتصميم بوستر الفيلم ومونتاج تريلراته بنفسه.

.

.

فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم:

.

.

.

وذلك تقديرًا لجهود المشتركين في الفيلم وحرصًا على ألا تتحول ردات الفيلم من كونها مرتبطةً بالفيلم نفسه إلى الارتباط بمساحة دور كروز، لا تقليلًا مما قدمه الأخير، يكفي تركه بصمةً استثنائيّة في مشهده مع أبيه المحتضر، حين لم يجد ما في النص بعد “لن أبكي من أجلك” منصفًا للموقف، وارتجل مستلهمًا من تجربته مع وفاة أبيه، وفي الإعادة الثانية للمشهد بكى توم كروز في أحد أكثر لحظات البكاء على الشاشة روعةً، وكان انفعال هوفمان حقيقيًّا كونه لم يكن جاهزًا للأمر وأسره نقاء العاطفة الذي شهده.

وكان لـ جوليان مور أثرٌ مماثل عندما اجتمع الممثلون لغناء “Wise Up”، بكسرها التوتّر بأن تبدأ، والهالة الحسّية التي بُثّت مع غنائها جعلت تلك البداية الإيقاع الذي سار الجميع بعدها وفقه:

وبالحديث عن الإيقاع، لا يُمكن نسيان أو وصف أثر مطر الضفادع في إيقاع الفيلم، لكن يمكن معرفة ما بُني عليه لتقديره أكثر. بدايةً استلهم أندرسون الفكرة مما قرأه من كتابات تشارلز فورت باحث الظواهر الشاذّة، وخلال فترة التحضير للتصوير علم بذكر أمر مماثل في الإنجيل، فبدأ تضمين فيلمه إشاراتٍ لمكان ذكره في السفر 8:2، كمشهد البار مع المباراة على الشاشة بين فريقَين، الغيوم والضفادع والنتيجة 8:2. “بدأت أفهم لماذا يلجأ الناس للدين في أوقات المِحَن، وربما طريقتي في إيجاد الدين كانت بالقراءة عن مطر الضفادع وإدراك أن لهذا معنًى بالنسبة لي”، هكذا وصف أندرسون تجربته مع الفكرة خلال مروره بوقتٍ عصيب على المستوى الشخصي.

“إن Magnolia فيلمٍ أستجيب له غريزيًّا، أترك المنطق عند الباب. لا أنتظر تبطينًا للأفكار أو كبحًا لها، بل أنتظر نشوةً أوبّراليّة”~ روجر إيبرت.

حقائق قد لا تعرفها عن Ben-Hur (الجزء الأول)

الملحمة الإنجيلية السينمائية الأروع والأكثر خلودًا، الفائز الأول بـ11 أوسكارًا، مغامرة شركة “MGM” الأكبر والأخطر إثر مقاربتها الإفلاس والتي أثمرت إعادتها إلى القمة وفوزها الأخير بأوسكار أفضل فيلم، يحتل المركز الثاني على قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأروع الأفلام الملحمية في التاريخ، فيه ما يُعتبر أروع متوالية أكشن وُضعت على شريط سينمائي، وعنه فاز أحد أكبر أساطير زمنه تشارلتون هيستون بأوسكاره الوحيد، Ben-Hur وقصة صنعه.

في أواخر عام 1952 أعلنت شركة “MGM” أنها ستعيد صناعة “Ben-Hur: A Tale of the Christ”، النجاح الأول الذي جعلها تجد مكانها بين حيتان الإنتاج السينمائي المستند إلى رواية ليو والاس الصادرة عام 1880، مع وضع أكبر نجوم الشباك لديها في عين الاعتبار كـ ستيوارت غرانغر، روبرت تايلر، مارلون براندو، وآفا غاردنر، وخلال الأعوام الأربعة التالية عهدت لـ سام زيمباليست بمسؤولية الإنتاج والذي طلب من كارل تونبرغ إعداد نص الفيلم، ولـ سيدني فرانكلين بمهمة الإخراج واختير مارلون براندو بطلًا للفيلم، وقدّرت الميزانية بسبعة ملايين وأُعلن بدء التصوير مع حلول الشهر الرابع من عام 1956 في إسرائيل أو مصر.

حال مرض فرانكلين دون توليه مهمة الإخراج فأوقِف العمل على الفيلم، ومع خسارة الاستديوهات السلطة التي كانت لها على صالات السينما بمرسوم عام 1948 ومنافسة التلفزيون المتزايدة بدأت تتهاوى أرصدة “MGM” وكان عليها اتخاذ خطوات سريعة ومصيرية، ليأتي نجاح ملحمة سيسيل ب. ديميل “The Ten Commandments” المُبهر كإشارةٍ لهم بأن ملحمتهم المنتظرة ستكون المُنقِذ، فعرض زيمباليست كُرسيّ فرانكلين على من عمِل كمساعد مخرج في الأصل الصامت وأحد أكبر مخرجي عصره وكل عصر ويليام وايلر.

ليرفض الأخير لاعتباره نص تونبرغ بدائيًّا وعظيًّا بحواراتٍ أقرب لعصرنا من عصر القصة وذات دلالات سياسية مباشرة، فعرض زيمباليست عليه بعض الرسومات الأولية لمتوالية سباق العربات الشهير وأكد مرونة تعديل النص وأن الميزانية قابلة لتصل إلى 10 ملايين مع أجرٍ لم يكن لمخرجٍ قبله يبلغ 350 ألف مع نسبة من الأرباح، فوافق وايلر متحمّسًا بقدر قلقه لنوعٍ لم يجرّبه من قبل وطامعًا بأن يتفوق على أهم منافسيه وصاحب “The Ten Commandments”.

ومن هنا بدأت إحدى أكثر قصص كتابة النصوص جدلًا في تاريخ هوليوود، فأتى وايلر بدايةً بالكاتبين المسرحيّين س. ن. بيهرمان وماكسويل أندرسون لإعداد مسوداتٍ جديدة، ليراجع حواراتها غور فيدال رغم رفضه التعاون في البداية لكن بوعد وايلر له أن يُخلّصه من العامين الباقيين في عقده مع “MGM” وافق، خاصةً أنه كان قد قام ببحثٍ حول الإمبراطور الروماني جوليان في القرن الرابع الميلادي ويستطيع الإفادة منه، ثم مع بدء التصوير استُدعي الكاتب المسرحي كريستوفر فراي والذي اعتبره الكثيرون شكسبير عصره، ليتواجد في موقع التصوير جاهزًا لإعادة كتابة الحوارات وأحيانًا مشاهد كاملة، مما جعله الوحيد بين الكُتّاب الذي ذكره تشارلتون هيستون في خطاب شكره لدى فوزه بالأوسكار. ومن ناحية المنتجين أرسلوا بين هيكت أيضًا لموقع التصوير للعمل على الحوارات دون أن تصل نتائج عمله إلى النسخة النهائية.

هذه الرواية الناتجة عن تقاطع العديد من الروايات والتي لم تكن ما وصلت إليه نقابة الكتّاب الأمريكية فلم تعتمد إلا تونبرغ كاتبًا وحيدًا للنص، الأمر الذي أثار غضب وايلر فأوصل روايته حول إسهامات الكتّاب الآخرين للصحافة مثيرًا جدلًا يُعتقد أنه السبب الأبرز لكون ترشيح الفيلم لأوسكار أفضل نص هو الوحيد الذي لم يُتوّج بفوز. ويُروى أن أربعين مسودةً كُتِبت خلال كل تلك الإعادات.

لم ينتظر زيمباليست خلال كل ذاك الوقت، بل عهد لـ هنري هينيغسون، ويليام أ. هورنينغ وإدوارد كارفاغنو بتصميم الإنتاج منذ بداية تعيينه منتجًا، وبعد خمس سنوات من البحث التاريخي حول عصر القصة بدؤوا ببناء المواقع عام 1956 في استوديو شينشيتا في إيطاليا بعد رفض حكومة ليبيا السماح لهم بالتصوير في صحرائها كون موضوع الفيلم يخص المسيحية، والرفض ذاته أتى من إسرائيل حين طلبهم التصوير في القدس.

بلغ عدد المواقع 300 انتشرت على امتداد 60 هكتارًا واستغرقت 14 شهرًا من العمل، مستهلكةً 40 ألف قدم مربع من الخشب، أكثر من 450 ألف كيلوغرامًا من الجص، وقُرابة 250 ميل من الأنابيب المعدنية، الكثيرُ منها استُعمل في بناء موقع للقدس امتد لنصف ميل متحرّيين الدقة التاريخية.

فيتوريو غاسمان، مونتغومري كليفت، توني كرتيس، سيزار دونوفا، فان جونسون، إدموند بردوم، بول نيومان، برت لانكاستر، وروك هودسون كانوا من مُرشّحي دور جوداه بين-هور، بينهم من لم يجد فيه وايلر بطله كبعض الممثلين الطليان، وبينهم من رفض كـ نيومان الذي خرج منذ وقتٍ قريب من تجربةٍ مشابهة لم تكن بتلك المتعة، لانكاستر الذي وجد النص مملًّا وشبه تبشيريّ خاصّةً أنه ملحد، وهودسون لصالح بطولة فيلم “Farewell to Arm”، حتى استقر الأمر على تشارلتون هيستون الذي رُشّح لدور ميسالا بدايةً، وكان هو من أوصى بـ هايا هاراريت لدور إستر الذي رُشّحت له آفا غاردنر وبيير أنغلي.

كما رُشّح ستيوارت غرانغر، ليزلي نيلسن، روبرت رايان، وكيرك دوغلاس لدور ميسالا ورفض الأخير لإعجابه بدور بين-هور وعدم نيته تمثيل دورٍ ثانويٍّ شرّير، وبذهاب الدور لـ هيستون قرّر دوغلاس البحث عن ملحمته الخاصّة التي سينافس بها ملحمة وايلر وكانت ” Spartacus”، وذهب الدور في النهاية لـ ستيفين بويد الذي أخذ الأمر بجدية لدرجة إطلاقه لحيته من أجل الدور ليكتشف فيما بعد أن هذه لم تكن الموضة الرومانية في ذاك العصر.

ولن تكون هذه آخر المفاجآت، فسيكتشف هو والجميع لاحقًا أن سمعة ويليام وايلر كمخرجٍ وجد مكانته الاستثنائية في تاريخ السينما لا تعني على الإطلاق أنه شخصٌ لطيف المعشر، فمثلًا، حين بدأت ميزانية الفيلم تخرج عن السيطرة ووصلت من 7 ملايين في البداية إلى أكثر من 15 مليون لدى بدء التصوير، جاء رئيس “MGM” جوزيف فوغل إلى وايلر وشرح له حساسية الأمر وسأله فيما إذا كان يمكنه فعل أي شيء حيال ذلك، ليجيب وايلر: “لا، شكرًا لك.”، ويذهب فوغل في رحلة عمل لخمسة أسابيع ثم يعود إلى موقع التصوير ليجد وايلر يعيد تصوير المشهد ذاته الذي كان يصوره عندما زاره أول مرة، جاهلًا إن كان وايلر بالفعل يقوم بالإعادات للمشهد ذاته خلال كل تلك الفترة.

ولا يمكن معرفة ذلك على وجه التأكيد، لكن مما لا شك فيه أن إعادات وايلر لم تكن اعتيادية، هيستون شاهدٌ على ذلك، ففي لقطة دخول بين-هور إلى منزله بعد طول غياب تمت الإعادة لثماني مرات قبل أن يسأل هيستون عن السبب، ليشرح له وايلر كيف أنه أُعجب بركل هيستون لقطعة فخّار لدى دخوله لتكون هذه الركلة الصوت الوحيد في اللقطة لكنه أرادها أكثر كمالًا، بينما ظن هيستون أن هذا ما لم يعجب وايلر فتفادى تكرار الأمر.

عن نهج وايلر في صناعة الفيلم وغِنى وصرامة تفاصيله، مشاركة هيستون في الحوارات وموقف وايلر منها وموقف هيستون من أسلوب تعامُل وايلر مع فريقه، رؤية وايلر لمحور الفيلم الحقيقي، نتائج حرصه على مصداقية الأثر، تواصله مع ديفيد لين طلبًا للمساعدة والنتيجة، صنع المتوالية التي عُدّت أفضل متوالية أكشن وُضِعت على شريط سينمائي على الإطلاق، معركة البحر، موسيقى ميكلوش روجا، تقدير المنتجين لـ إرث الفيلم، ورؤية هيستون لحقبة الملاحم التي كان له منها نصيب الأسد وما أمكن أن تكونه إن تبادل اسمين الأمكنة أحدهما وايلر سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Ben-Hur .

حقائق قد لا تعرفها عن Taxi Driver (الجزء الأول)

“كابوسٌ حي لم نصحُ منه بعد”، هكذا وصفت مجلة Empire الفيلم الذي احتل المركز 52 في قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل الأفلام في التاريخ، والمركز 25 في قائمة مجلة Premiere لأخطر الأفلام في التاريخ، رائعة مارتن سكورسيزي وروبرت دي نيرو Taxi Driver ، وهذه قصة صنعه.

 

عام  1972كان بول شريدر ذو الـ26 عامًا ومن يطمح بأن يجد طريقه في صناعة السينما كاتبًا ومخرجًا قد تعافي من انهيارٍ عصبي، أصابه في لوس أنجلس إثر طرده من معهد الفيلم الأمريكي، طلاقه، صده من قبل عشيقته الجديدة، وقضائه شهرين في شقة عشيقته القديمة خلال سفرها لم يخاطب خلالهما أي إنسانٍ تقريبًا خاصةً وأنه لم يملك أصدقاءًا، فقط عمل بشكل متنقل بين المطاعم كعامل توصيل، يقضي وقتًا طويلًا في سيارته لدرجة فكر أنه يمكن أن يعمل كسائق تكسي، ويتردد على سينمات البورن، ليجد ولعًا يكبر داخله بالأسلحة.

 

ومن هذه التجربة استلهم شريدر فكرة نصٍّ سينمائي أسماه Taxi Driver ، كتب مسودتيه الأوليتين في عشرة أيام مبقيًا بجانبه مسدسًا محشوًّا، ومستحضرًا في ذهنه صورة جيف بريدجز كبطل الفيلم، وإن لم تصبح تلك الصورة حقيقةً، وشارك بريدجز مقاعد الترشيح كلٌّ من جاك نيكلسون، وارين بيتي، رايان أونيل، بيتر فوندا، جون فويت، روبرت بليك، ديفيد كارادين، ريتشارد دريفوس، كريستوفر ووكن، آلان ديلون، جيمس كان، روي شايدر، بول نيومان، مارلون براندو، مارتن شين، إليوت غولد، آلان آلدا، جورج هاميلتون، داستن هوفمان الذي رفضه لعدم ثقته في سكورسيزي متواضع الشهرة وقتها، وبرت رينولدز الذي ندم على رفضه الدور.

 

حتى آل باتشينو عُرض عليه الدور خلال محاولة صناعة الفيلم الثانية التي كان مخرجها توني بيل، ليرفضه دون بيان السبب سواءً كان عدم رؤيته النص مناسبًا، أم عدم ثقته في المخرج الذي تم نصحه باختيار فيلم أقل سوداويةً ليكون بدايته، رغم كونه أحد أسباب إفشال المحاولة الأولى وكانت من إخراج برايان دي بالما، الذي أراد  ميلاني غريفث لدور آيريس، ووعده مايكل فيليبس أحد المنتجين بنسبة من الأرباح تعويضًا عن تخليهم عنه.

 

لحسن الحظ كانت المحاولة الثالثة هي الناجحة والأخيرة ومخرجها طبعًا مارتن سكورسيزي، الذي لفت نظر المنتجين بفيلم Mean Streets وتم عرض المهمة عليه بشرط أن يأتيهم بـ روبرت دي نيرو لدور البطولة، وهذا ما حدث، وكان السبب في تغيير اسم الشخصية الرئيسية إلى ترافيس بعد مشاهدته لـ مالكولم ماكدويل في دور ميك ترافيس في “….If” لـ ليندساي أندرسون، وفي اعتقاد أوليفر ستون أنه بشكلٍ أو بآخر كان مصدر إلهامٍ للشخصية، كونه درس على يد سكورسيزي في معهد السينما بجامعة نيويورك، وكان جنديًّا سابقًا في حرب فييتنام، كما عمل كسائق تاكسي واعتاد ارتداء معطفه العسكري خلال عمله.

 

لكن بالتأكيد لم يعمل ستون لـ 15 ساعة يوميًّا كما فعل دي نيرو لمدة شهر تحضيرًا للدور، بالإضافة لدراسة المرض العقلي واللهجات الغرب أوسطية لصقل صوت ترافيس، وهذا الجهد الباعث على التفاؤل بأداء استثنائي، مترافقًا مع فوزه بالأوسكار عن “The Godfather II” لـ فرانسيس فورد كوبولا بعد أن مضى العقد بأجر 35 ألف دولار، بث رعبًا في قلوب المنتجين من أن يطلب أجره الجديد بعد الفوز والبالغ 500 ألف دولار، الأمر الذي قد يحكم على المشروع بالتوقف النهائي، لكن دي نيرو استمر حسب الاتفاق الأصلي، أما عن أثر فوزه في عمله كسائق سيارة أجرة فلم يكن بالسوء المتوقع على الإطلاق، لم يميزه أحد إلا مرةً واحدة.

 

في حين جعل مشهد “?You talkin’ to me” الأيقوني الجميع يميز مؤديه العبقري، والذي ارتجل حواره بالكامل، ففي حين اقتصر المشهد في النص (والمستلهم من مشهد مارلون براندو مع المرآة في “Reflections in a Golden Eye” لـ جون هيوستون) على أن ترافيس ينظر إلى المرآة، استفاد دي نيرو من تجربته مع مدرسة التمثيل ستيلا أدلر، وتذكر تمرينًا تطلب من طلابها تأديته يقوم على خلق عدة ترجمات للجملة ذاتها، وبدأ يكلم مرآته متلقيًّا التشجيع من سكورسيزي خلف الكاميرا، والنتيجة للتاريخ.

عن مرشحات دوري آيريس وبيتسي وكيف انتهيا إلى جودي فوستر وسيبيل شيبرد، شخصية توم وألبرت بروكس، بيرنارد هيرمان وموسيقى الفيلم، ظروف التصوير، أصعب المشاهد وكيفية تنفيذها، مشهد إطلاق النار، ونهاية الفيلم وتعليق شريدر وسكورسيزي عليها سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Taxi Driver .

حقائق قد لا تعرفها عن American History X

البداية السينمائية لمخرجه الذي قصر بنفسه المسافة بينها وبين نهايته، بداية كاتبه، وأكثر فيلمٍ أبطاله النازيين الجدد ملك أثرًا استثنائيًّا جعل شهرته تتجاوز بكثير تواضع ما حققه في شباك التذاكر، American History X وقصة صنعه.

كتب ديفيد ماكينا نصه السينمائي الأول بناءً على حياة النازي الجديد وحليق الرأس السابق فرانك ميينك، الذي سُجن لثلاث سنوات بتهمٍ مرتبطة بمعتقداته حول تفوق العرق الأبيض، ليصبح الآن مؤلفًا ومحاضرًا شهيرًا في معاداة النازيين الجدد، كما استفاد من شخصية توم ميتزغر قائد مجموعة مقاومة البيض الآريين المتطرفة التي تمركزت في جنوب كارولينا، ليعد شخصية كاميرون أليكساندر.

وكانت النتيجة إثارة اهتمام صانع الفيديوهات الغنائية والإعلانات المميزة توني كاي، والذي يعتبر نفسه أفضل مخرج بريطاني منذ رحيل هيتشكوك، وإيجاد “New Line Cinema” فيه بالفعل الرجل المناسب، وإن كانت ستندم على ذلك لاحقًا أشد الندم، بدءًا برفضه اختيارهم لـ إدوارد نورتون لدور ديريك فينيارد إثر عدم موافقة واكين فينيكس على الدور لكون الموضوع مزعجًا وبغيضًا، رغم منحهم إياه عدة أسابيع لإيجاد بديل وعدم نجاحه في ذلك، وكون نورتون قدم مساعدةً كبيرة في تنقيح النص، إلا أن كاي لم يتراجع عن إبداء انزعاجه من اختيارهم.

على عكس نورتون الذي رفض دور رايان في فيلم “Saving Private Ryan” لـ ستيفين سبيلبيرغ لإعجابه بدور ديريك، وحلق رأسه وكسب 30 باوندًا من العضلات لأجله، وطبعًا هذا الميل لإثارة المشاكل لا بد أن يجعل مارلون براندو بطلًا في أعين كاي لطالما تمنى العمل معه، فرشحه لدور كاميرون أليكساندر هنا دون نجاح، ليذهب الدور إلى ستيسي كيث.

القميص الذي لبسه سيث في مبارة السلة الذي يحمل الرقم 88، في إشارةٍ لـ “HH” الذي يشكل اختصارًا لـ”Heil Hitler”، كما يرمز للتعاليم الـ88 التي وضعها أحد قادة النازيين الجدد ديفيد لين، وعلامة الصليب المعقوف المعكوسة على ظهر سترته، في إشارةٍ لأن حاملها يقود ولا يتبع كانت ضمن التفاصيل التي اعتنى بها كاي في التعامل مع موضوع فيلمه.

وبالتأكيد لم تكن هذه التفاصيل موضوع خلاف شركة الإنتاج معه على النسخة التي قدمها، وطلبها منه إعادة المونتاج تبعًا لملاحظاتٍ معينة ليقضي عامًا كاملًا في تلك الإعادة، الأمر الذي وتر علاقته بالمنتجين إلى حد إحضاره حاخامٍ يهودي، قسٍّ مسيحي، وراهبٍ بوذي في اجتماعٍ معهم محاولًا زيادة روحانية العلاقة وإعادة استقرارها.

لكن من الواضح أنه لم ينجح في ذلك، فقد كانت ردة فعلهم على نتيجة إعادة المونتاج أسوأ مما كانته على النسخة الأولى، مما جعل نورتون والمونتير جيري غرينبرغ يتولون مهمة إعادةٍ ثانية، كانت نتيجتها إثارة حنق كبير من كاي واتهامه نورتون بأنه أضاف مشاهدًا صورها وحده من جديد لزيادة وقت ظهوره على الشاشة، إيقافه عرض الفيلم الأول في مهرجان تورونتو، ومهاجمته الفيلم وشركة الإنتاج في 40 مكانًا مختلفًا في الصحف، الأمر الذي جعل نقابة المخرجين الأمركية ترفض طلبه لعدم نسب الفيلم إليه، كون قوانينها تنص على أن ذلك لا يتم إلا بالتزام المخرج بعدم التصريح عن سبب فعله ذلك وعدم الإساءة للفيلم.

ليعتبر كاي ذلك انتهاكًا لحقه الدستوري بحرية التعبير عن الرأي ويرفع دعوى قضائية على النقابة وشركة الإنتاج طالبًا تعويضًا مقداره 200 مليون دولار، كما أراد الاستفادة من سمعة مارلون براندو فأعلن أنه اشترى حقوق نص “One Arm” لـ تينيسي ويليامز عارضًا دورًا فيها على براندو، ومخبرًا إياه في اجتماعهما أنه يسعى لتغيير اسمه رسميًّا إلى همبتي دمبتي كردة فعل على رفض النقابة لاستبدال اسمه كمخرج لـ American History X بهذا الاسم، ليرد براندو ضاحكًا: “ستغير اسمك رسميًّ إلى همبتي دمبتي؟! هذا رائع!”.

خسر كاي دعواه وفرضت الشركة موقفها وتم عرض نسختهم الأطول من نسخة كاي بـ20 دقيقة، ولم يبقَ لـ كاي علاقاتٌ قادرةٌ على جعله يستمر في عمله إلا بـ براندو، الذي أراده لإخراج مسلسل “Lying for Living”، المؤلف من ندوات يلقيها براندو حول الاستفادة من التمثيل للتعامل مع ظروف الحياة اليومية، لكن ظهور كاي في أول يوم تصوير بزي بن لادن بعد أسابيع قليلة من هجوم التاسع من نوفمبر الذي لم يكن مضحكًا كما ظن، فطرده براندو.

 

“أحب أن أعتقد أنني سأكون ناجحًا أكثر في المستقبل، وأنني سأنال ما كنت سأناله لو عرفت كيف أحتوي شغفي بشكلٍ أفضل مما فعلت مع American History X . الآن تعلمت.”، هذا ما قاله كاي بعد صدور فيلمه الأخير “Detachment”، والذي يفصله عن مشاهدته الأولى للنسخة التي عرضت في السينمات من فيلمه American History X أربع سنين فقط، في 2007 شاهده كما عُرض لأول مرة.

.

.

فيما يلي حرق لأهم أحداث الفيلم:

.

.

.

النهاية التي أرادها كاي كانت مما استُبعد واستبدل في النسخة النهاية، وكانت بتحديق ديريك فينيارد في المرآة وهو يحلق رأسه بعد مقتل أخيه الأصغر على يد زميل أسود له في المدرسة.

حقائق قد لاتعرفها عن One Flew Over the Cuckoo’s Nest (ج1)

تم عرضه في صالات السينما في السويد لـ12 عامًا، ثاني ثلاثة أفلام فازت بأوسكارات الفئات الرئيسية الخمس (أفضل فيلم، إخراج، نص، وممثل وممثلة بأدوار رئيسية)، اعتُبر أكثر فيلم كيوبريكي لم يصنعه ستانلي كيوبريك، والفيلم المفضل لصانع “A Beautiful Mind” رون هاوارد، وهذه قصة صنعه التي امتدت لأكثر من 20 عامًا.

عام 1961 عثر كيرك دوغلاس على روايةٍ أثارت اهتمامه ما زالت في مرحلة الطباعة بعنوان “One Flew Over the Cuckoo’s Nest”، ألفها كين كيسي بناءً على تجربته في مستشفى المحاربين القدامى في بالو آلتو بكاليفورنيا حين عمل في إدارتها، فقام دوغلاس على الفور بشراء حقوقها ومجهزًا نفسه لدور البطولة، وهذا ما حدث بالفعل في النسخة المسرحية من الرواية التي بدأت عروضها عام 1963.

لكن ذلك لم يمهد لنسخة سينمائية قريبة، فقد رفضت المشروع جميع الاستديوهات التي اقترحه عليها مرةً بعد أخرى، إلى أن قابل مايلوش فورمان في براغ ووجد فيه المخرج المثالي والذي سيدعم موقفه، واتفقا على أن يرسل إليه نسخةً من الكتاب، إلا أن الرقابة التشيكية منعته من الوصول دون إعلام أحد، مما جعل دوغلاس يستاء من وقاحة ما ظنه تجاهل فورمان له، في حين اعتبر الأخير دوغلاس رجلًا ليس على قدر وعوده، ولم يعلم كلاهما الحقيقة إلا بعد أكثر من عقد حين انتقل المشروع ليد مايكل دوغلاس، ليتواصل مرةً أخرى مع فورمان، ويقدم له النص الذي أعدّه كيسي كاتب الرواية ذاتها، مُعدًّا كالرواية من وجهة نظر الزعيم برومدن، الأمر الذي لم يرُق لـ فورمان فرفضه وطلب البحث عن كاتبٍ آخر، واضعًا أساسًا لحربٍ أعلنها كيسي على الفيلم وصناعه خرج منها بـ 2.5% من الأرباح.

وتم بالفعل إسناد المهمة لـ بو غولدمان ولورنس هوبن اللذين أتيا بما نال إعجابه وإعجاب الملايين، لكن كل هذا لم يشجع الاستديوهات بما يكفي، خاصةً أنه قد مضى على صدور الرواية وضجته قرابة عقدين، وانتهى المشروع كإنتاجٍ مستقل متواضع لشركة “Fantasy Films” ومايكل دوغلاس، الذي بدأ بالبحث عن مواقع في الشاطئ الغربي، ووقع اختياره على مستشفى مقاطعة أوريغون كون مديرها وعد بمنحهم صلاحياتٍ كاملة، ليقيم فورمان في المستشفى لأربع أسابيع قبيل التصوير مراقبًا أدنى التفاصيل.

ربما ليقارن ما فعله حين اختار ممثليه بما يجري فيها، فقد كان يجري تجارب الأداء عن طريق أن يُجلس ممثليه في حلقات علاج نفسي، وأراد لبطله أن يكون نجمًا كبيرًا بينما يكون البقية غير معروفين، ليحسوا به قائدًا، فتم ترشيح مارلون براندو، جين هاكمان، ستيف ماكوين، جيمس كان، برت رينولدز، وجاك نيكلسون كما سعى جون فويت ليكون في مقدمتهم، وكان رينولدز ونيكسلون هما الخيارين النهائيين، مع ميل فورمان للأول على عكس المنتجين الذين أرادوا ممثلًا كسب اعترافًا أكبر بقدراته كـ نيكلسون، وكان لهم ما أرادوا.

آن بانكفورت، إيلين برستين، فاي داناواي، كولين دوهرست، جين فوندا، أودري هيبورن، أنجيلا لانزبري، جين مورو، شيرلي ماكلين، وجيرالدين بيج كن ممن عرض عليهن دور الممرضة راتشيد، كما كانت باتريشا نيل ممن سعين للفوز به، إلى أن شاهد فورمان فيلم “Thieves Like Us” لـ روبرت ألتمان، وأعجب بأداء لويس فليتشر فيه، لكن انضمامها للمشروع لم يكن بهذه السهولة ولم يجر إلا قبل أسبوعٍ من بداية التصوير، فقد استمر فورمان بإعادة تجربة أدائها على مدى ستة أشهر، يبلغها في كل مرةٍ أنها لم تبلغ بعد المستوى المناسب، ويطلبها بعد فترة لتجربةٍ جديدة.

أما بالنسبة لـ داني ديفيتو وويل سامبسون فقد كان الأمر أسهل بكثير، ديفيتو كان أول ممثلٍ ينضم للفريق، بينما كان سامبسون مشهورًا في مسابقات رعاة البقر، وبعد يأس الجميع من إمكانية إيجاد من يناسب الصفات العرقية والجسمانية لشخصية الزعيم برومدن، أوصى به ميل لامبرت الذي شاهده في الحلبة، وكان هبةً من السماء لم يفكروا كثيرًا قبل الموافقة على أن يكون الزعيم.

عن أساليب فورمان في تحضير فريقه وطريقة عمل كاميرته معهم، نتائج ضغط التصوير التي قد تزيد عدد المرضى الحقيقيين في فريق العمل أو تنقصهم، ارتجالات نيكلسون ومشاكله مع فورمان، الجزء الآدمي من لويس فليتشر، واقتراب العمل من أن يكون أحد الإنتاجات الضخمة لـ “20th Century Fox” وسبب بقائه مجرد اقتراب سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن رائعة الجنون.

حقائق قد لا تعرفها عن Into the Wild

كان ملهمًا لتغييرٍ جذري في حياة الكثير من الناس لدرجة أن مئاتًا من عشاقه خاطروا بحياتهم ليصلوا إلى حيث استقرَّ بطله، ومنهم من فقدوا بالفعل حياتهم في مواجهة أخطار الرحلة،  لتصبح الحياة الجديدة التي بدؤوها بها أقرب إلى نهايتها مما تخيلوا، فماذا سبق صدور الفيلم الذي ملك كل ذاك الأثر المستمر حتى اليوم؟

في عام 1996 صدر كتاب “Into the Wild” لـ جون كراكور، راويًا القصة الحقيقية للشاب كريستوفر ماكاندليس صاحب الرحلة الملحمية الشهيرة إلى ألاسكا، ليجذب على الفور اهتمام شون بين الذي نال ترشيحه الأوسكاري الأول وقتها عن Dead Man Walking، ويقرر أن يقوم بإخراج عملٍ مستندٍ إلى تلك القصة، لكن قراره وحده لا يكفي، و10 سنينٍ كانت المدة التي انتظرها حتى يحصل على موافقة أصحاب العلاقة.

خلال تلك السنين أصبح من المستحيل أن يقوم النجوم الذين حلم بأن يكونوا نجوم عمله بالأدوار التي أرادهم لها، ليوناردو ديكابريو أصبح أكبر مما يجب أن يكونه ماكاندليس بقرابة عقدٍ من الزمن، وبالطبع أغلى أجرًا من ميزانية الفيلم كاملةً، كما أن مارلون براندو قد توفي، نعم كان براندو هو من أراده بين لدور رون فرانز الذي قام به هال هولبروك في النهاية ونال عنه ترشيحه الوحيد للأوسكار حتى الآن.

واستمر البحث عن ماكاندليس مناسب حتى بعد ترشيح شيا لابوف للدور، وفي عرضٍ خاص لفيلم “Lords of Dogtown” لـ كاثرين هاردويك أقامته من أجل شون بين آملةً بأن يساعدها في إيجاد تمويل لمشاريعها القادمة، لفت انتباهه إيميل هيرش الذي شارك في بطولة فيلمها، وطلبه على الهاتف على الفور محدثًا إياه بشأن الرواية وطالبًا منه أن يقرأها، وبعد عدة لقاءات تمت خلال أربع شهور أنهى بين كتابة المسودة الأولى لنص الفيلم وأيقن أن هيرش هو ماكاندليس الذي ينشد.

بينما كان أداء كريستين ستيوارت لأغنية “Black bird” للبيتلز هو ما جعل كفتها ترجح على كفة ديفي تشيز، آمبر هيرد، وإيفان راتشيل وود لتفوز بدور تريسي تاترو، وكان اقتراحٌ عابر من هيرش لـ برايان هـ. ديركر المشرف على تدريبه على الطوف لدور ريني هو طريق دريكر لدوره السينمائي الأول، وطريق شخصية ريني إلى الشاشة.

حميةٌ قاسية لخسارة 20 كيلوغرامًا، القيام بكل المشاهد الخطرة دون الاستعانة بدوبلير، والسباحة في مياه متجمدة كانت بعض الأمور التي قام بها هيرش لولعه بالدور وإيمانه بالشخصية، ولم يكن الوحيد الذي ملك إخلاصًا مماثلًا لنقل التجربة بكل ما أمكن من صدق، فقد قام فريق العمل بأربع رحلاتٍ إلى ألاسكا كل رحلةٍ في واحدٍ من فصول السنة يجري خلالها تصوير المشاهد التي تجري في ذاك الفصل، كما تم بناء موقعٍ مطابق للموقع الحقيقي الشهير للحافلة، والاستعانة ببعضٍ ممن عايشوا الأحداث الحقيقية ليعيدوا القيام بأدوارهم فيها، كل هذا ساهم في منح ماكاندليس المكان الذي استحقه على الشاشة الفضية وفي قلوبنا، وفي جعلنا ننظر للدنيا بشكلٍ مختلف.

.

فيما يلي حرق لأهم أحداث الفيلم:

.

.

أثر وفاة ماكاندليس المأساوية على عائلته كان أكبر من أن يوافقوا على تحويله لرمزٍ سينمائي كان هجره لعائلته أحد أهم أسباب كونه ذاك الرمز، لكن لحسن الحظ استطاعوا التصالح مع الأمر جزئيًّا بعد قرابة عقد ونصف من الحادثة، واحترامًا لهم لم يقم بين بالتصوير في موقع الحافلة الحقيقي وقام ببناء موقعٍ مطابقٍ له.

صورة ماكاندليس الحقيقي بجانب حافلته:

Into the Wild1

فيلم Apocalypse Now.. ما وراء الكواليس (الجزء الثاني)

عن رحلة اختيار براندو ونتائجها، ارتجال براندو، اختبار فييتنام فعليًّا خلال التصوير وأثر ذلك على كوبّولا، وما كانته النهاية وما أصبحته سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن ملحمة خلق الملحمة.

كان أورسون ويلز خيار كوبّولا الأول، ورغم محاولته مسبقًا لتحويل رواية كونراد إلى فيلم رفض، وتبعه رفض لي مارفين، ثم موافقة مارلون براندو ودفع مليون له مقدمًا، إلا أنه هدد بالاحتفاظ بذاك المقدم وعدم المشاركة في الفيلم إثر إلحاح كوبّولا عليه بأن يلتزم بمواعيد تصويره التي يستمر بتقويتها، فرد كوبّولا بأن التهديد لا يعني له شيء وأنه سيستبدله بـ جاك نيكلسون، روبرت ريدفورد، أو آل باتشينو، وفي النهاية ظهر براندو بجثته الهائلة وقد كسب قرابة 40 كيلوغرامًا مخمورًا ومصرّحًا بأنه لم يقرأ النص أو حتى الرواية، وبعد جدالاتٍ طويلة مع كوبّولا الذي قضى أسبوعًا يقرأ الرواية لـبراندو بصوتٍ عالٍ ويشرح الشخصية في موقع التصوير موقفًا جميع من فيه عن العمل، تم الاتفاق على ارتجال براندو لما يراه مناسبًا كونه لم يوافق على أغلب محتوى النص، وأن تحيطه وتخفيه الظلال والظلمة في أغلب مشاهده.

18 دقيقة كانت مدة المونولوج الذي ارتجله براندو ولم يصل منه إلى النسخة النهائية إلا دقيقتين، وتلا تصويره قول براندو لـ كوبّولا: “ذهبت لأبعد ما يمكنني، إن أردت المزيد اجلب ممثلًا آخر”، وإن لم يكن هذا المونولوج من أسباب خلافاتهم إلا أن تلك الخلافات وصلت حد أن يطلب كوبّولا من مساعده أن ينوب عنه في حمل عبئ تصوير بعض مشاهد براندو، أي الإصغاء إلى نصيحة براندو بالاستبدال لكن المخرج بدل الممثل. كل هذه المشاكل وأكثر أحدثها براندو خلال 6 أسابيع فقط تم خلالها تصوير مشاهده من بين 16 شهرًا.

براندو، استبدال كيتل بـ شين، إصابة شين بنوبة قلبية، إفساد مواقع التصوير بفعل إعصار، عدم موافقة الحكومة الأمريكية على منح كوبّولا طائرات هيليكوبتر وحاجة حكومة الفلبين المتكررة إلى هيليكوبتراتهم التي أعاروه إياها في معاركهم مع المتمردين، انسحاب لوكاس من دعم المشروع وخسارته لصداقة كوبّولا بالنتيجة لسنوات، وعدم امتلاك الفلبين لمعامل تحميض وتصوير الفيلم كاملًا على أمل أن تكون النتيجة مرضية بعد انتهاء التصوير والعودة بالشرائط إلى أمريكا ومشاهدة محتواها، كل هذا وعوائقٌ يصعب حصرها جعلت الست أسابيع المحددة قبيل التصوير تصبح 16 شهرًا، وجعلت كوبّولا يصل حد: رهن منزله ومصنع الخمور الذي يمتلكه لإكمال الفيلم، خسارة 50 كيلوغرامًا من وزنه، المعاناة من انهيار عصبي، ومحاولة الانتحار لـ3 مرات، وجعلت زوجته إليانور تبدأ طريقها السينمائي بصنع وثائقي بعنوان: “Hearts of Darkness: A Filmmaker’s Apocalypse” صدرعام 1990.

200 ساعة كانت مدة مجموع اللقطات التي تم تصويرها، و3 سنينٍ كانت مدة العمل في مونتاجها وإيجاد الحلول لما لا يمكن العودة إلى موقع التصوير وتصحيحه من مشاكلها، سنةٌ منهم فقط من أجل مشهد هجوم الهيليكوبترات بالنابالم، و9 أشهرٍ لدمج الصوت، ولم ينتهِ حتى كل هذا بالكامل حين أتى وقتُ عرض الفيلم في مهرجان كانّ، بل تم عرضه تحت ملاحظة “فيلمٌ في طور الاكتمال”، وكان أول فائز غير مكتمل بالسعفة الذهبية في التاريخ، “فيلمي ليس عن فييتنام.. فيلمي هو فييتنام”، هذا ما قاله كوبّولا حين استلم الجائزة، وبعد كل ما ذكرت وما شاهدناه أعتقد أنه عنى ما قاله.

وختامًا لابد من الحديث عن الخاتمة التاريخية (فيما يلي حرق لأهم أحداث الفيلم):

كانت النهاية في نص ميليوس الأصلي هي هجوم الهيليكوبترات على مخبأ كرتز ومحاربته إياهم بمدفعٍ رشاش، ثم عودة ويلارد إلى أمريكا لنقل خبر وفاته إلى أهله، بينما لم يرى كوبّولا الأمر بهذه السهولة، واستمرت صعوبة إيجاد النهاية التي ترضيه تؤرقه حتى عبرت في ذاكرته التضحية الحيوانية التي شهدها مع زوجته في أحد المرات، وأعتقد أننا جميعًا نعرف البقية.

فيلم Apocalypse Now.. ما وراء الكواليس (الجزء الأول)

“لا تذهب.” كانت نصيحة روجر كورمان حينما استشاره فرانسيس فورد كوبّولا بشأن تصوير فيلمه في الفلبين، ومن جدول تصويرٍ معدٍّ لست أسابيع إلى 16 شهرًا من التصوير كانت نتيجة عدم إصغائه لتلك النصيحة، وعلامةٌ فارقة في تاريخ السينما لن تتكرر سنروي هنا قصة خلقها.

في عام 1969 كتب جون ميليوس نص فيلمٍ أسماه “The Psychedelic Soldier” يدور حول حرب فييتنام، وعرضه على استوديو “American Zoetrope” المؤسس حديثًا وقتها على يد فرانسيس فورد كوبّولا وجورج لوكاس، وكان الأخير قد أبدى اهتمامًا بإخراجه كوثائقي مزيف يجري تصويره في جنوب فييتنام خلال الحرب، فحاول كوبولا المنتج التنفيذي وقتها الحصول على صفقة إنتاج مشترك للعمل مع “Warner Bros.” لكنه لم يستطع إثارة اهتمامهم، وانشغل بعدها في إخراج جزأي “The Godfather”، كما انشغل لوكاس بإخراج “THX 1138” و”American Graffiti”، لتصنع الأفلام المذكورة لمخرجيها مكانةً ووزنًا يجعلونهم قادرين الآن على المباشرة في صنع مشروع فيلم فييتنام المؤجل.

سقطت سايغون وانتهت حرب فييتنام، وخسر المشروع اهتمام لوكاس الذي انصرف لصنع “Star Wars: Episode IV – A New Hope”، فبارك جلوس كوبّولا على مقعد المخرج، ليبدأ عمليات إعادة كتابة النص الذي وصف حاله الأول بأنه سلسلة من مشاهد القصص المصورة المكرسة لإظهار سخافة حرب فييتنام، وفي النهاية احتفظ كوبّولا ببعض ما كتبه ميليوس للنصف الأول من الفيلم، وخصص النصف الثاني لما أضافه بناءً على رواية “Heart of Darkness” لـ جوزيف كونراد، وبدأ البحث عمن سيجسدون أبطاله.

ستيف ماكوين كان أول من مر عليهم دور الكابتن ويلارد، والذي وافق إثر موافقة كوبّولا على دفع أجره البالغ 3 ملايين، لكنه بعد التفكير في الموضوع ومعرفة أنه قد يتطلب أشهرًا من العمل في مواقع التصوير فضل لعب دور المقدم كيلغور الأقل تطلّبًا لكل هذا الإرهاق مع بقاء أجره كما هو، فرفض كوبّولا طبعًا، ليصبح ماكوين أول من رفضوا الدور أيضًا، ويتبعه آل باتشينو لأسبابٍ لخصها كوبّولا بقوله: “ربما كان سيوافق باتشينو على الدور إن صورنا الفيلم في شقته في نيويورك”، ثم كلينت إيستوود لأنه رأى أن الفيلم سوداوي أكثر مما يجب، ثم جاك نيكلسون.

نيك نولتي، جيف بريدجز، وهارفي كيتل قاموا بتجارب الأداء للدور ليستقر رأي كوبّولا على الأخير مخيبًا آمال نولتي الذي كان شديد الإعجاب بالشخصية، لكن بعد أسبوعين من التصوير لم يكن العمل خلالهما مثمرًا مع كيتل قرر كوبّولا استبداله وكان مارتن شين هو الفائز الأخير بالدور لتخيب آمال نولتي مرةً أخرى، ولتكسب الشخصية تقديمًا استثنائيًّا في مشهد ويلارد في غرفة الفندق، حيث تم ارتجاله بالكامل بناءً على طلب شين الذي كان يعاني من مشكلة إدمان للشرب، كان بالفعل مخمورًا وطلب من فريق التصوير فقط أن يديروا كاميراتهم، لتلتقط جنون سكره وكسره المرآة الحقيقية الذي أصاب يده وانتحابه وهجومه على كوبّولا، فاستاء فريق العمل وأرادوا التوقف إلا أن كوبّولا أرد المضي بالأمر حتى النهاية.

أتى الآن دور البحث عمن سيلعب دور الكولونيل كرتز، والمستلهم من شخصية لوبي دو أغيريه الجندي الإسباني الخائن من القرن السادس عشر، نعم هو ذاته الذي صنع عنه فيرنر هيرزوغ رائعته “Aguirre, the Wrath of God” عام 1972، وعن رحلة اختيار براندو للدور ونتائجها، ارتجال براندو، اختبار فييتنام فعليًّا خلال التصوير وأثر ذلك على كوبّولا، وما كانته النهاية وما أصبحته سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن ملحمة خلق الملحمة.

فيلم The Godfather.. ما وراء الكواليس (الجزء الثاني)

كيف تم اختيار “آل باتشينو”؟ وما نتيجة ذلك الاختيار المتعلقة بـ”روبرت دي نيرو”؟، ما أهم الأحداث والقرارات الحاسمة التي تم اتخاذها خلال التصوير، وما التدخل الإنتاجي الذي غير مصير الفيلم؟ عن هذه الأسئلة سيجيب الجزء الثاني من حديثنا عن كواليس صنع ملحمة “العرّاب”.

ربما كون العصر الذي تمت فيه صناعة العراب عصراً ذهبياً للسينما جعل معرفة الأسماء التي كان لها علاقة بالمشروع من قريبٍ أو من بعيد مهيبة، فكذلك سبب دور “مايكل كورليوني” صراعاً ومنافسةً محتدمين، “مارتن شين” و”دين ستوكويل” قاموا بتجارب الأداء، “جاك نيكلسون” “داستن هوفمان” و”وارين بيتي” رفضوا القيام بالدور مع العلم بأن الأخيرعُرض عليه بطولته وإخراجه وإنتاجه، “آلان ديلون” “روبرت ريدفورد” “برت رينولدز” و”رايان أونيل” تم رفضهم من قبل “كوبولا”، والذي وإن قبل بـ”جيمس كان” كخيارٍ أخير ومناسب فلم يزل يطمح لإيجاد الأنسب، كان وقتها “آل باتشينو” يعمل على فيلم “The Gang that Couldn’t Shoot Straight”، وكان “روبرت دي نيرو” قد قام بتجارب الأداء لشخصيتي “مايكل” و”سوني”، ولم يرى منتجو “باراماونت” في “باتشينو” أي تميزٍ يغريهم، حتى شاهدوا أداءه في “The Panic in Needle Park”، والذي جعلهم يتفهمون تمسك “كوبولا” به ويساعدونه على تخليصه من التزامه بالفيلم الذي يعمل به، وجعلهم يستبدلونه بـ”دي نيرو” بتوصيةٍ من “كوبولا”، فأصبح “دي نيرو” بطل فيلم “The Gang that Couldn’t Shoot”، و”فيتو كورليوني” الجزء الثاني من “العرّاب” والفائز بالأوسكار عنه والمنطلق منه إلى النجومية، وأصبح “باتشينو” العرّاب الشاب الشهير “مايكل كورليوني”.

أصبح لدينا الآن فريق ممثلين يمكن الانطلاق به إلى الحرب، وعلى رأسهم “مارلون براندو” والذي كان لحضوره مهابةٌ تجعل لحظة التواجد معه لا تغادر ذاكرة من يعيشها، ومثالٌ على ذلك التوتر الحقيقي الذي أصاب “ليني مونتانا” الذي قدم شخصية “لوكا براسكي” في أول مشهد له مع “براندو”، مما جعله لا يقول حواره كاملاً لشدة الارتباك، وهذا ما استفاد منه “كوبولا” فأبقى المشهد كما هو ليزيد به مهابة عرّابه التي أكد “مونتانا” أنها حقيقيةٌ بالكامل، وبذكر ما هو حقيقي فقد أكد “باتشينو” أن الدموع التي ذرفها “براندو” في مشهد المستشفى كانت أيضاً حقيقية.

(فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم):

ورغم كل هذه الأهمية لشخصية “فيتو” وكون “براندو” يجسدها ارتأى المنتجون أن مشهد موته غير ضروري ويكفي مشهد الجنازة لإعلام المشاهدين بما حدث، لكن “كوبولا” لحسن الحظ كان له رأيٌ آخر فصوره بثلاث كاميرات تاركاً “براندو” يرتجل كلماته ويقدم لنا المشهد الخالد.

كل خلافٍ حدث بين المنتجين و”كوبولا” أثبت فيه أنه على حق لكن هذا لم يمنعهم من الاستمرار، وخاصةً “روبرت إيفانس”، والذي أراد استبدال “كوبولا” خلال التصوير لأنه رأى أن الفيلم لا يحوي ما يكفي من مشاهد الأكشن، فمنحه كوبولا مشهد العراك بين “كوني” و”كارلو” ليرضيه، حتى حين اختيار موسيقى “نينو روتا” التصيرية للفيلم عاد “إيفانس” من جديد مطالباً بتغييرها، لكن حينها كان قد مضى من التصوير ما يجعل تهديد “كوبولا” بأنه سينسحب من المشروع إن تم تغيير الموسيقى يجبر “إيفانس” على التراجع.

لكن شاءت الأقدار أن يكون المنتج مثير المشاكل هذا سبباً أيضاً في وصول هذا الفيلم إلى الكمال، فحين قدّم كوبولا النسخة الأخيرة من الفيلم وكان طولها ساعتين رفضها “إيفانس” لسببين، أحدهما كون الصورة مظلمةً بشكلٍ ظنه كان خطأّ ولم يكن، فرفض “كوبولا” والمصور الملقب بـ”فارس الظلام” المسؤول عن تلك الظلمة وقتها “غوردون ويليس” أي تعديل على الصورة، والثاني أنه أراد نسخةً أطول، فتم إعادة المونتاج وإضافة قرابة 50 دقيقة، ولا يمكنني تخيل مقدار ما كان سيفوتنا من المتعة الاستثنائية دون الدقائق الـ50 تلك.

كل هذا قاد إلى صنع الفيلم الذي قال عنه حتى “ستانلي كيوبريك” أنه من أفضل الأفلام التي صنعت في تاريخ السينما.

فيلم The Godfather.. ما وراء الكواليس (الجزء الأول)

هل يمكننا تخيل الحياة دون جملة: “سأقدم له عرضاً لا يمكنه رفضه”؟!، ربما كان سيصدر في كل الأحوال فيلمٌ يسمى “العرّاب” وتقال تلك الجملة في أحد مشاهده، لكن ما كان ليصبح “العرّاب” الذي نعرفه ولكلماته ذاك الأثر إلا في الحال الذي انتهى إليه من بين كل ما سنذكره من تفرعات مرت في طريق صناعة الفيلم.

كان “ماريو بوزو” كاتباً مغموراً حقق بعض النجاح النقدي الذي لا ترافقه جماهيريةٌ كافيةٌ لدفع الفواتير، وربما هذا ما دفعه ليمنح روايته القادمة “العرّاب” طابعاً جماهيرياً جعل “بيتر بارت” المدير التنفيذي لشركة “باراماونت” وقتها يشتري حقوق الرواية ولم يكتمل منها إلا 20 صفحة!

وأثبتت الرواية بعد اكتمالها أن “بارت” كان على حق، وبدأ البحث عن مخرجٍ يحولها إلى فيلمٍ سينمائي وكان العبقري “سيرجيو ليوني” الخيار الأول، لكنه رفض العرض وفضل العمل على مشروعه الخاص “Once Upon A Time in America”، فتم ترشيح “بيتر بوغدانوفيتش” “بيتر ييتس” “ريتشارد بروكس” “آرثر بين” “كوستا غافراس” “أوتو بيرمينغر” وآخرين ليقابل عرض المشروع عليهم دائماً بالرفض، ولم يكن خيارهم الأخير “فرانسيس فورد كوبولا” استثناءاً، والذي أصبح خياراً “اضطرارياً” لظنهم بأنه سيقبل العمل بأجر قليل وميزانيةٍ محدودة، لكن “كوبولا” عاد عن رفضه لأنه يدين بـ400 ألف لشركة “وارنر برذرز” وبحاجة للعمل على مشروعٍ كهذا للحصول على ما يفي دينه.

وقبول “كوبولا” المشروع لا يعني قبوله أن يصنعه كما يريد منتجوه، ففكرة إلغاء كون أحداثه تجري بين الأربعينيات والخمسينيات ونقلها إلى الحاضر للتوفير في الميزانية لم ترقه وتم صرف النظر عنها وإعادة كتابة النص باشتراكه في العملية مع “بوزو”، وكانت هذه بداية الصدامات بين منتجي الفيلم وصانعه والتي لم تنتهي حتى إصدار الفيلم.

فلم يتم ادخار حجةٍ لاستبعاد “كوبولا”، من التذمر حول كونه عاجزاً عن الالتزام بجدول التصوير، إلى اتهامه بالإسراف بالنفقات وسوء اختياره للممثلين، في حين أن الحقيقة هي انتهاء “كوبولا” من تصوير الفيلم قبل الموعد المحدد وبميزانية أقل مما تم تحديده، كما أن الممثلين الذين اختارهم بناءً على اختبارات الأداء التي أجراها في منزله بشكلٍ غير رسمي ولم يوافق عليهم “روبرت إيفانس” أحد المشرفين على الإنتاج وقتها، هم أنفسهم الذين تم اختيارهم بعد إعادة العملية بشكل رسمي بناءً على طلب “إيفانس” والتي كلفت قرابة 420 ألف دولار، وكان المختارون “آل باتشينو” “جيمس كان” “روبرت دوفال” و”ديان كيتون”.

أما دور العرّاب الكبير “فيتو كورليوني” لم يتم اختيار من سيؤديه بناءً على تلك الاختبارت، خاصةً أنه شكل إغراءً لأعظم الممثلين الذين عاشوا وقتها وما زالوا يعتبرون من بين الأفضل في التاريخ، “أورسون ويلز” نفسه حاول الفوز بالدور باستماتة ووعد بخسارة الكثير من وزنه من أجله لكن “كوبولا” رغم كونه من أكبر معجبي “ويلز” لم يرى فيه ما أراده، كذلك الأمر مع “برت لانكاستر”، بالإضافة إلى “إرنيست بورغناين” “إدوارد ج. روبنسون” “داني توماس” “ريتشارد كونتيه” “أنتوني كوين” “دون أميش” و”جورج ك. سكوت”، لكن اثنين فقط رأى فيهم “كوبولا” عرّابه، وهم “لورنس أوليفييه” و”مارلون براندو”، وكون سن “أوليفييه” أنسب للدور تم عرضه عليه أولاً لكن مدير اعماله أعرب عن أسفه لعدم قدرته على قبول الدور بسبب تدهور حالته الصحية، وهكذا لم يبقَ إلا العرّاب ليؤدي دور العرّاب، لم يبق إلا “مارلون براندو”.

كيف تم اختيار “آل باتشينو”؟ وما نتيجة هذا الاختيار المتعلقة بـ”روبرت دي نيرو”؟، ما أهم الأحداث والقرارات الحاسمة التي تم اتخاذها خلال التصوير، وما التدخل الإنتاجي الذي غير مصير الفيلم؟ عن هذه الأسئلة سيجيب الجزء الثاني من حديثنا عن كواليس صنع ملحمة “العرّاب”.