أرشيف الوسم: ميشيل غوندري

Microbe & Gasoline

“زيارةُ حُلمِ صبا لم يكتمل، لنكمله”

السنة 2005
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج ميشيل غوندري
المدة 105 دقيقة (ساعة و45 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من إيحاءات جنسية صريحة
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الفرنسية
تقييم IMDB 6.7

“النصف الأول من الفيلم حقيقيٌّ بنسبة مئة في المئة تقريبًا، من ذكرياتي وتجارُبي. والنصف الثاني فانتازيا مبنية على النصف الأول”، هكذا أجاب أحد أقرب صناع الأحلام للقلب ميشيل غوندري حين سُئِل عن مدى شخصية فيلمه. لهذا حين يكون من الصعب تحديد المسؤول الأكبر عن ضحكاتك واجتياح الدفء لقلبك بين ذكرياته أو ما استثارته من ذكرياتك، لا تنس الاحتمال الثالث، صدقه.

دانييل (أنج دارجان) فتًى في بداية مراهقته ضئيل الجِسمِ لا يملك كل تلك المهارات الاجتماعية، يدخل صفّه يومًا ما وافدٌ جديد يُدعى ثيو (ثيوفيل باكيه) لا تتطلب صحبته تلك المهارات المفتقدة لدى دانييل، بل ويجد كلُّ منهما في الآخر رفيق الطريق المنتظر للمغامرة التي قلما تجد من لم يحلم بها يومًا.

كتب ميشيل غوندري نص الفيلم، مبتعدًا عن حِيَلِه المحببة في إذابة الحواجز بين الواقع والحلم، ومتجاهلًا فكرة سؤال نفسه بعد إنهاء كل مشهد هل هذا تقليديٌّ أم لا، فلكلٍّ تجربته، قد تتشابه الأُطُر، لكن لن يتشابه المحتوى والطرق التي قد يؤدّي إليها، والدليل شخصياته، بجعلها أساس كل شيء وإغنائها بالتفاصيل طوال الفيلم يُنسي حتى تشابه الأُطُر، بذكاء وسلاسة الحوارات ببساطة مستثيرة للفكر والحس والذاكرة، وتلقائية خفة الظل المترافقة مع العناية بتوزيعها منتجةً ضحكاتٍ قل مثيلها، فتصبح الخيارات نتائجًا لا مجرد تعبيرٍ عن رغبة الكاتب، وتصبح دراسته لهذا النوع المميز من الصداقات المرتبط بهذه المرحلة العمرية وتقلباتها أكثر صدقًا بخفةٍ لا نعهدها كثيرًا للصدق والواقعية.

إخراج ميشيل غوندري يمنحنا بهجةً تكفي لأكثر بكثيرٍ من مجرد وقت العرض، مُفيدًا من مواهب مبتدئَيه في جعل وجوههم من أهم أسباب متعة التجربة، وضبط إيقاع الحوارات لتحقق أثرها كاملًا وتجعل الابتسامة التي كثيرًا ما تتحول لضحكة من القلب لا تغادر وجوهنا، مستمتعًا بإثارة المغامرة وناقلًا متعته إلينا بخفةٍ آسرة، مبتعدًا دون بذل جهد عن أي تلاعبٍ بالعواطف، مع اهتمام بجاذبية الألوان وخاصةً الأزرق، الذي كان هنا – مرةً أخرى – أدفأ الألوان.

أداءات ممتازة من الفتيان أنج دارجان وثيوفيل باكيه، ظهور لا تقبل صاحبته الفاتنة أودري توتو أن يمضي وإن قلت دقائقه دون أثر، تصوير مُتقن من لوران برونيه، وموسيقى مناسبة من جان-كلود فانييه.

لا أنضح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأحداثه.

فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind.. ما وراء الكواليس (الجزء الثاني)

غوندري وأساليبه المبتكرة للحصول على أفضل الأداءات والسحر البصري الحقيقي ونتائجها، تلاقي الفيلم وحياته الشخصية، وأبرز الارتجالات منه ومن ممثليه التي صنعت مشاهد أصبحت من أجمل الذكريات، ستكون موضوع الجزء الثاني من حديثنا عن كواليس محو الذكريات.

كان غوندري يضغط على ممثليه حين الحاجة للإتيان بأصدق أداءٍ منهم، فكان يدير الكاميرا في مشاهد كاري قبل الوقت المحدد أو بعده، ويغير تعليماته في آخر لحظة، وحسب ما قال: “أظن أني بإبقائه مضطربًا جعلته ينسى ما يجب فعله ليكون من يؤدي شخصيته، لتصبح الطريقة الوحيدة لأن يستمر هي أن يصبح بالفعل تلك الشخصية ويتوقف عن التفكير كيف يكونها”.

من جهةٍ أخرى كان يمنح ممثليه حريةً لا يجدونها مع أغلب من يعملون معهم، فليس هناك مسارٌ محدد أو مساحةٌ محددة يتحركون ضمنها، وذلك بأن يتواصل مع مديرَي كاميرتَيه عبر سماعاتٍ رأسية وترك أبطاله يتحركون كيفما يملي عليهم إحساسهم لتتبعهم الكاميرات حسب تعليماته، مما جعل أداءاتهم أكثر تلقائيةً وصدقًا، وهذا ما أكدت عليه وينسليت بحديثها عن أن لقطاتٍ عديدة لم يتم تكرار واحدةٍ منها لمرتين بشكلين متشابهين، وهذه الحرية جعلتها تبدع بشكلٍ أفضل وتعتبر أداءها هنا الأفضل في مسيرتها.

كل هذا الصدق لم يؤثر في غوندري صاحب الفضل الأكبر في استخراجه خلال مشاهدته أثناء تصويره، بقدر ما أثر فيه بعد الانتهاء من التصوير وبدء عملية المونتاج، والتي هجرته حبيبته خلالها، مما جعل مشاهدة تفاصيل ملحمة الذكريات التي صنعها هو تؤلم روحه بذكرياته، وجعله أول مشاهد لفيلمه يقول: “هذا الفيلم عني..”.

تفاديًا للحرق أرجأت إكمال الحديث عن الارتجالات وقرارات غوندري وكوفمان ونتائجها في مشاهد معينة إلى القسم الأخير من حديثنا والمسبوق بتحذير (فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم):

كسر جهاز تسجيل إثر اندماج كاري بشدة في الشخصية في أحد جلسات التسجيل مع وينسليت، ولكمة حقيقية من الأخيرة على وجه كاري في مشهد القطار كانت من نتائج تشجيع غوندري لأبطاله على الارتجال والضغط عليهم للإتيان بالأفضل، وإحساسٌ بقمة الصدق في أصوات الاثنين في المحادثة التي تدور على خلفية رؤيتهما أطفالًا في ذاكرة شخصية جويل، كون تلك المحادثة تم تسجيلها خلال تصوير الطفلين وفي موقعه ليتفاعلا بشكلٍ حقيقي مع جويل وكليمنتين الصغيرين.

ولم يخل الأمر طبعًا من تدخلٍ رائع من كوفمان لكيفية مرافقة الموسيقى لمشهد القطار، ففي حين نوى غوندري أن تملأ الموسيقى لحظات الصمت، اقترح كوفمان العكس، أن تصمت الموسيقى حين يصمتان.

أما عن تمسك غوندري بالاستغناء عن المؤثرات البصرية قدر المستطاع، فقد جعل كاري في المشهد الذي يشاهد فيه نفسه مع الدكتور هاوارد يجري خلف الكاميرا في كل لحظةٍ تتحرك فيها، منه وهو مع الدكتور، إليه وهو يشاهد، لابسًا معطفه وقبعته وخالعًا إياهما في كل انتقال، ليستغرق تصوير المشهد وحده نصف يوم، كذلك الأمر مع وينسليت في المشهد الذي تظهر فيه في الحمام ثم المطبخ ثم لدى الباب فكانت تسابق الكاميرا لتكون في المكان المناسب في اللحظة المناسبة.

وسنختتم حديثنا بكيفية صناعة لحظات مشاهدة جويل وكليمنتين للسيرك واختفاء كليمنتين الآسرة والموجعة للقلب، ومن المثير معرفة أنه كان أيضًا ارتجالًا في موقع التصوير دون أي إعدادٍ مسبق، كان فريق العمل بقرب سيرك، وخطرت لـ غوندري فكرة المشهد ولم يخبر كاري بأن وينسليت ستختفي، مما جعل ردة فعله حقيقية بالكامل، وكان الصوت الذي يصدر عنه حين نجد الصوت يتلاشى هو قوله: “كيت؟!”، فكانت هذه أقرب لحظات الفيلم قربًا لقلب غوندري، ومن أقربها لقلوبنا.

فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind.. ما وراء الكواليس (الجزء الأول)

أرهقت الرسام الفرنسي بيير بيسموث شكوى صديقةٍ هجرها حبيبها حتى سألها فيما إذا كانت تتمنى محوه من ذاكرتها، وردت بالإيجاب، فأثارت الفكرة صديقه ميشيل غوندري الذي ذهب بها إلى صديقه تشارلي كوفمان، والذي أتى منها بنصٍّ أتى منه غوندري بفيلمٍ لن نرغب أبدًا في محوه من ذاكرتنا، وهذه قصة صنعه، صنع ملحمة الذكريات.

بدأ عمل كوفمان وغوندري على الفيلم منذ عام 1998، وحين صدر Memento لـ كريستوفر نولان في 2001 وقبل أن ينتهيا من إعداد فيلمهما أصاب كوفمان قلقٌ كبير لتركز فيلم نولان أيضًا حول الذكريات، ومن شاهد Adaptation سيدرك مدى الريبة التي قد تسيطر عليه بنتيجة أمرٍ كهذا، مما جعله يصرح لـ غوندري أنه لن يستمر في العمل، لكن غضب المنتج المشرف على المشروع وقتها ستيف غولين اضطرهم للاستمرار، لحسن حظنا وحظ السينما!

وخلال الفترة الطويلة التي تم خلالها إعداد النص استطاع غوندري اختيار أبطاله بتأنٍّ، فجاء اختياره الأول والأخير لـ كيت وينسليت لدور كليمنتين وإصراره عليها مفاجأةً سارةً بالنسبة لها، لكونها وجدت من استطاع أن يرى فيها شخصيةً مختلفة بشدة عن إحدى الآنسات الأرستقراطيات، الدور الذي اعتاد المخرجون أن يفكروا بها لأدائه لفترةٍ طويلة.

أما بالنسبة لدور جويل فقد كان خيار غوندري الأول هو نيكولاس كيج، لكن لأسبابٍ مختلفة عن التي اختار لأجلها وينسليت طبعًا، فكما قال غوندري: “كل مخرجٍ مستقل أراد صنع فيلمٍ يحقق نجاحًا تجاريًّا كان يسعى لإشراك كيج في البطولة خاصةً بعد فيلم Leaving Las Vegas، لكن طبعًا كان كيج يوافق على واحد من كل 10 مشروعات مقدمة”، ولحسن الحظ كان هذا الفيلم من الـ9 التي لم يوافق عليها كيج حينها، بينما وافق جيم كاري الذي كان وقتها أول نجم يصل أجره إلى 20 مليون دولار في الفيلم الواحد، وكانت ميزانية هذا الفيلم كاملةً تساوي هذا المبلغ، أي قبل كاري بأقل من أجره بكثير تقديرًا لأهمية الفيلم والدور.

واجتماع نجمين تباعدت اتجاهاتهما بها الشكل خلق إثارةً استثنائية لكليهما، فكما قالت وينسليت: “لعبت دور أوفيليا في Hamlet بينما كان هو أيس فينتورا!”، أما كاري فقال: “يثير حماسي أن أعمل مع من يخيفني، وقد كانت موهوبة بشكلٍ مرعب وممثلةً مذهلة”.

مما جعل غوندري يسعى إلى استغلال هذا الحماس لاستخراج أفضل ما عندهم، خاصةً بما عرف عنه من ميلٍ للارتجال وتشجيع فريق عمله على الإرتجال والإتيان بردات فعل حقيقية، فكان ما طلبه من بطليه تجهيزًا للفيلم أن يجلسوا في غرفةٍ يتحادثان بها ويروي كل منهما للآخر تجاربه العاطفية، وأدى هذا إلى حواراتٍ عديدة جرت بينهما خلال الفيلم كانت مرتجلةً بالكامل بناءً على تلك الأحاديث.

ليس الارتجال فقط ما فضله غوندري لميله إلى أن تكون صورته حقيقية بأكبر درجة، كذلك فعل باستماتته للاستغناء عن أي مؤثراتٍ بصرية، فكان ببساطة ينتظر أن تصغي السماء إلى تعليماته، فمثلًا استطاع جعل المد يأتي إلى منزل الشاطئ ببناء منزلٍ على الشاطئ وانتظار أن يسعى إليه المد، واستطاع خلق الصورة الأيقونية التي نجدها على ملصقات الفيلم لـ جويل وكليمنتين على جليد متكسّر بحلول شتاء قاسي في نيويورك أثناء التصوير كَوّن الثلج والجليد.

غوندري وأساليبه المبتكرة للحصول على أفضل الأداءات والسحر البصري الحقيقي ونتائجها، تلاقي الفيلم وحياته الشخصية، وأبرز الارتجالات منه ومن ممثليه التي صنعت مشاهد أصبحت من أجمل الذكريات، ستكون موضوع الجزء الثاني من حديثنا عن كواليس محو الذكريات.

Eternal Sunshine of the Spotless Mind – 2004

يعتبر الفيلم واحد من أروع الأفلام التي يمكن أن تشاهدها، اسم الفيلم مأخوذ من قول شهير حول قدرة العقل على النسيان لينسى أحزانه. ومازال حتى اليوم بين أعظم 250 فيلم على قائمة IMDB. قد لا يحبه هواة الأفلام التجارية الخفيفة، لكنه حتماً يجب أن يكون في مكتبة كل هاوي حقيقي للأفلام. يحكي الفيلم قصة حبيبين يقرران إجراء عملية لمحو بعضهما من ذاكرتيهما بسبب فشل العلاقة بينهما، وهنا تبدأ المغامرة. الفيلم من بطولة جيم كيري (واحد من الأدوار القليلة الجادة جداً لكيري)، وكيت وينسلت، وتوم ويلكينسون. أخرج الفيلم ميشيل غوندري.
الإرشاد العائلي: الفيلم ليس للصغار من ناحية الفكرة والأحاديث (جنس).
التقييم: 8/10