أرشيف الوسم: ميل جيبسون

حقائق قد لا تعرفها عن Les Misérables (الجزء الأول)

الاقتباس السينمائي الغنائي الأوّل للمسرحية الغنائيّة صاحبة العدد الأكبر من العروض في تاريخ لندن وثاني أكبر عدد من العروض لمسرحيّة في التاريخ. ثاني اقتباس لرواية البؤساء يُرشّح لأوسكار أفضل فيلم بعد أكثر من 75 عامًا من الأوّل، وأول فيلم غنائي يُرشّح للجائزة خلال العشر سنوات التي سبقت صدوره. أحد الأفلام الغنائيّة المعدودة التي يُسجّل الغناء فيها أثناء التصوير لا قبله. Les Misérables وقصة صنعه.

بعد إطلاق أول مسرحيّة غنائيّة مقتبسة من رواية البؤساء لـ فيكتور هوغو في فرنسا عام 1980، تبعتها نسختين بالإنكليزيّة أولاهما على مسرح ويست إند في لندن والثانية على مسرح برودواي في أمريكا، محقّقتَين نجاحًا تاريخيًّا، مما أشعل حماس منتج النسخة البريطانيّة لفكرة إنتاج نسخة سينمائيّة في بداية التسعينات، وهو كاميرون ماكنتوش الذي وصفته صحيفة نيويورك تايمز بـ: “المنتج المسرحي الأكثر نجاحًا، تأثيرًا وقوّةً في العالم”.

كان قد سبقه إلى الفكرة بعض المنتجين الامريكيّين عام 1988 واختاروا آلان بّاركر (صانع The Wall وMidnight Express وThe Life of David Gale) مخرجًا للنسخة السينمائيّة دون كثيرٍ من التقدُّم، ثم وقعوا عقدًا مع بروس بيريسفورد (صانع Driving Miss Daisy وTender Mercies) لإخراج الفيلم عام 1991 وكان هذا آخر تقدُّم حقيقي. انتقل الأمر إلى يد ماكنتوش عام 1992 وأعلن أن شركة “TriStar” ستشارك في إنتاج الفيلم، لكن مرة أخرى دخل المشروع في جحيم ما قبل الإنتاج حتى نُسي، إلّا من قِبَل ماكنتوش الذي عاد لإحيائه عام 2005، معلنًا أنه يُريد مخرجًا صاحب رؤية قادرة على نقل فريق العمل المسرحيّ إلى الشاشة الكبيرة، وبث روحٍ منعشة كالتي كانت لكل عرض.

مرت أربع سنوات ريثما أبدت شركة “Working Title Films” البريطانيّة اهتمامها بالمشروع وبدأت المفاوضات مع ماكنتوش لشراء حقوق الفيلم، وفي بداية عام 2011 أصبحت مشاركةً مع ماكنتوش في الإنتاج وكُلّف ويليام نيكلسون بكتابة النص ليُنهي المسودّة الاولى بعد ستة أسابيع، اختير بعدها توم هوبّر لإخراج الفيلم، ليجد هيو جاكمان يتواصل معه على الفور للتقدُّم لدور جان فالجان، واقتراح بّول بيتاني لدور جافير الذي ذهب لاحقًا لـ راسل كرو.

وقتها كان دور فالجان قد مرَّ على عشرات المرشّحين منذ ولادة الفكرة عام 1988، أبرزهم وارين بيتي، توم كروز، روبرت دينيرو، مايكل دوغلاس، ريتشارد دريفوس، هاريسون فورد، مِل غيبسون، جين هاكمان، توم هانكس، داستن هوفمان، ويليام هارت، كيفن كلاين، جاك نيكلسن، آل باتشينو، روبرت ريدفورد، وكريستوفر ووكن. صحيحٌ أن هوبّر لم يستقر على جاكمان بسهولة كونه الخيار الأول المعروض، لكنه وجد بعد عدة تجارب أداء أنه كان محظوظًا بقدوم الشخص الأنسب إليه بنفسه، والذي كان جاهزًا للقيام بحمية غذائيّة استثنائيّة استعانت بخبرته فيها آن هاثاواي فيما بعد، والصيام عن الماء لـ 36 ساعة بعد خسارة الوزن ليظهر الجفاف حول عينَيه وفي خدّيه لتصوير مشاهد السجن، مما دفع هوبّر للانتهاء من تلك المشاهد في البداية رحمةً بـ جاكمان حتى يعود لحالته الطبيعيّة ويتابع.

أما في حالة أماندا سيفرايد فربّما كان الإرهاق الذي سبق قبولها للدور أكثر من الذي واجهته في تحضيرها بعد القبول. أربعُ شهورٍ قضتها في صدٍّ ورد مع اختبارات الأداء دون علمها أن هناك أخريات يتقدمن للدور في الفترة ذاتها، مصممةً دومًا على العودة لاختبارٍ آخر بعد إخبارها أكثر من مرة أنها لا تصلح لهذا الفيلم، والعمل على دورَي فانتين وكوسيت على التّوازي بالإضافة للخضوع لتدريبات صوتيّة صارمة. في النهاية وبعد اختيار هاثاواي لدور فانتين فازت سيفرايد بدور كوسيت متفوّقةً بذلك على مرشحاتٍ كـ إيما واتسون، شايلين وودلي، ميراندا كوزغروف، إيميلي ماري بالمر، ليلي راينهارت، بورتيا دبلداي ودانييل هوبّ.

عن انضمام سامانثا باركس، ساشا بارون كوهين، إيدي ريدماين، وآن هاثاواي لفريق العمل والمرشّحين لأدوارهم. آن هاثاواي والأغنية الأيقونيّة وزمن تصويرها. أصول شخصيّة فانتين في رواية فيكتور هوغو الأصل. أسباب اختيار توم هوبّر للغناء أمام الكاميرا بدل المزامنة. وأسلوب تسجيل صنع التاريخ في نوع الأفلام الغنائيّة ونتائجه في الأداءات سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Les Misérables

حقائق قد لا تعرفها عن Hacksaw Ridge (الجزء الثاني)

عن تيريزا بالمر وطريقها إلى دور دوروثي، فينس فون ودور الرقيب هاول، الراحل جيمس هورنر وجون ديبني مؤلف الموسيقى التصويريّة لـ The Passion of the Christ وعلاقتهما بموسيقى الفيلم، صرامة تعامل غيبسون مع كمال عناصر فيلمه وتجاوز الميزانيّة المشروع، مصادر استلهامه مشاهد المعارك، استجابة ابن ديزمُند دوسّ للفيلم وأداء أندرو غارفيلد فيه، وقائع من أيام دوسّ في المعركة استُبعدت من الفيلم والسبب، ودافع غيبسون وغارفيلد الرئيسي لصناعة الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Hacksaw Ridge

أما دوروثي فقد جاءت شخصيًّا إلى غيبسون قبل أن يسعى إليها. تيريزا بالمر أرادت المشاركة في فيلم غيبسون القادم بأي ثمن، فسجلت تجربة أداء على الموبايل وأرسلته إلى غيبسون، والذي لم يبعث بأي رد قبل مُضي ثلاث شهور تواصل معها بعدها عبر سكايب مُعلنًا فوزها بدور دوروثي زوجة دوسّ. في حين ذهب دور الرقيب هاول إلى فينس فون بعد تنازُل غيبسون عنه للتركيز في مهام الإخراج.

وربّما أمِل جون ديبني أن يكون خروجه من المشروع تنازُلًا كهذا أو انسحابًا لا استغناءً عن جهوده. فبعد اختيار الأسطورة جيمس هورنر لتأليف موسيقى الفيلم ووفاته المفاجئة، اختير ديبني وباشر بالأمر وبعد انتهائه وتقديمه لـ غيبسون رُفِضَ وتم استبداله بـ روبرت غريغسون-ويليامز الذي وصلت موسيقاه إلى النسخة النهائية.

تصرّفٌ يمكن فهمه بلا شك مع حساسيّة موقف غيبسون الذي حورب في هوليوود طوال عشر سنوات وسيكون الجميع بانتظار أن ينالوا من فيلمه، مما جعله يحرص على كمال كل عنصر بنفسه وإن كلفه ذلك الدفع من ماله الخاص، كشرائه كاميرتَي يد بـ3000 دولار للمساعدة في مشاهد المعارك وإضافة واقعيّة أكبر لها. المشاهد التي استلهمها من كوابيسٍ لازمته طفلًا، أطلقتها قصص أبيه الجُنديّ السابق في الحرب العالمية الثانية التي كان يرويها عن تجاربه في الحرب في كل ليلة لطفله قبل أن ينام.

رُبّما كان لـ دوسّ عادةٌ مشابهة، فآثار تجربته ما زالت حاضرةٌ في ذاكرة ابنه ديزمُند جونيور، والذي بكى إثر العرض الأول متأثّرًا بدقّة أداء غارفيلد لدور أبيه، وأكّد أن دقة الفيلم كانت لترضي حتى أباه الذي كان مانعه الرئيسي من قبول بيع حقوق قصته هو ألّا تُروى كما هي.

وكان على حق بلا شك، فهي تبدو آتيةً من مبالغات فيلم بطولة ودعاية سياسيّة دون أي إضافات، مما يجعل فكرة مشاهدة أي اجتهادات هوليوودية مُرعبة. غيبسون لم يتجنب فقط الإضافة، بل تخلّى عن مفاصل مهمة في القصة كي يتفادى عدم التصديق واعتبارها مبالغات للابتزاز العاطفي.

.

.

فيما يلي حرق لأهم أحداث الفيلم:

.

.

.

فمثلًا، دوسّ لم يُصب ويُخلى بعد هجومٍ صباحي على جرف هاكسو، وإنما أُصيب بعد ثلاثة أسابيع من حملة أوكيناوا خلال هجوم ليلي بالقرب من شوري، بقنبلة سبّبت جروحًا في ساقيه اضطُر لمحاولة مداواتها بنفسه خلال خمس ساعات انتظرها ريثما وصل إليه حاملو النقّالة، والذين هاجمتهم دبّابة أثناء نقلهم له فترك النقّالة وطلب ممن أتوا للمساعدة أن ينقلوا أحد زملائهم المصابين بشدّة أكبر منه أولًا ثم يعودوا من أجله، لكن قبل تلك العودة وخلال مساعدة أحد الجنود له للانتقال لمكان أكثر أمانًا أصابه قنّاص في يده مُسبّبًا كسرًا كبيرًا في يده حاول تجبيره بدعامة حربة، ثم زحف لقرابة 300 مترًا إلى أحد محطات الإسعاف للعلاج.

خلال تلك الأسابيع التي سبقت إصابة قدميه أنقذ دوسّ 75 رجلًا بإنزالهم كما شاهدنا في الفيلم، لكن هُناك ما يقرب عددهم إلى 225 بين من داواهم بحيث يستطيعون التراجع دون مساعدته ومن عادوا إلى الهجوم بعد مساعدته. بالفعل أمرٌ صعب التصديق. وهذا ما أبكى غارفيلد عندما قرأ النص لأول مرة وجعله يزور منزل دوسّ ويتأمل ويتلمّس مقتنياته محاولًا لمس بعضٍ من روحه.

الروح التي كانت سببه وغيبسون الأوّل للمضي في صناعة Hacksaw Ridge ، كليهما اتفقا على أن أكثر ما جذبهما للعمل على المشروع هو أنه عن بطلٍ خارقٍ حقيقيّ، وأضاف غيبسون أنه لو كان دوسّ حيًّا لطلب منه أن يكون رئيس الولايات المتحدة.

حقائق قد لا تعرفها عن Hacksaw Ridge (الجزء الأول)

قضت فكرته نصف قرن قبل أن تتحول لخطوةٍ بدأت 14 عامًا من الخُطى تقدُّمًا وتراجُعًا حتى وصل إلى الشاشة الكبيرة. أول فيلم يُخرجه ميل غيبسون بعد عقدٍ من آخر أعماله وراء الكاميرا. والنتيجة، وقفةُ تصفيقٍ وتقدير لعشر دقائق في مهرجان البندقيّة بعد عرضه الأوّل، دخوله في قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل 10 أفلام في عامه، وست ترشيحاتٍ أوسكاريّة متضمّنة أفضل فيلم ومخرج وممثل بدور رئيسي. Hacksaw Ridge وقصة صنعه.

لم يكُن ديزمُند دوسّ (أوّل مُعترض على حمل السلاح بدافع الضمير يُمنح ميدالية الشرف) ممن لا تُعرف قصصهم إلا بعد رحيلهم، لذلك كانت أولى محاولات نقل قصّته إلى شاشة السينما في خمسينيّات القرن الماضي بعد سنوات قليلة من نهاية الحرب العالميّة الثانية التي شهدت على بطولاته، وكان وراءها المنتج هال بـ. واليس (منتج Casablanca وThe Maltese Falcon وSergeant York) مُعتزمًا منح دور البطولة لـ أودي مرفي الجُندي الأمريكي الشهير صاحب أكبر عدد من الأوسمة في الحرب العالميّة الثانية، لكن دوسّ لم يقبل خشية تحويل قصته إلى فيلم هوليوودي تقليدي آخر خاصّةً أنهم مانَعوا قبول شرط الدقة الكاملة.

استمرت المحاولات جيئةً وذهابًا لعقود، وبعد وفاة دوروثي زوجة دوسّ عام 1991 أعاد ستان جينسن التابع لـ كنيسة اليوم السابع السبتيّة التي يتبع لها دوسّ المناقشات حول الموضوع واقترحه على المخرج والمنتج غريغوري كروزبي (حفيد بينغ كروزبي)، والذي نجح في إقناع دوسّ عام 2001 وأعدّ مسودّةً أولية قدمها للمنتج ديفيد بيرمُت يبدوا أنها لم تُثر الحماس للمضي في المشروع أكثر من ذلك.

عام 2004 استطاع المخرج تيري بينيديكت شراء حقوق صناعة فيلم وثائقي عن دوسّ بعنوان “The Conscientious Objector”، ووجد الفرصة سانحة فاشترى حقوق صناعة فيلم روائي. عام 2006 توفّي دوسّ واشترى المنتج بيل ميكانيك الحقوق من بينيديكت، ثم باعها لشركة “Walden Media” التي تعاونت مع بيرمُت أول منتج وضع المشروع بين يديه للمضي بصناعة الفيلم، مُصرّةً على أن تكون المعارك بتقييمٍ عمريّ لا يتجاوز PG-13، أمرٌ عَلِمَ ميكانيك أنه سيضر بالفيلم فحاول استعادة الحقوق مرة أخرى.

وفور الحصول عليها تواصل مع ميل غيبسون طالبًا منه ملحمة عنفٍ وإيمان كالتي قدّمها في “The Passion of the Christ“، لكن الأخير رفض العرض مرّتين خلال قرابة عقد من الزمان مر فيه الفيلم على راندال والاس (كاتب Braveheart ومخرج We Were Soldiers وSecretariat) للقيام بمهام المخرج والكاتب ثم آرون شنايدر كمخرج، حتى وافق غيبسون في نوفمبر من عام 2004، الشهر ذاته الذي أعلن فيه فوز أندرو غارفيلد بدور البطولة، فمنذ شاهده غيبسون في “The Social Network” أراد العمل معه ووجدها الفرصة الأنسب.

عن تيريزا بالمر وطريقها إلى دور دوروثي، فينس فون ودور الرقيب هاول، الراحل جيمس هورنر وجون ديبني مؤلف الموسيقى التصويريّة لـ The Passion of the Christ وعلاقتهما بموسيقى الفيلم، صرامة تعامل غيبسون مع كمال عناصر فيلمه وتجاوز الميزانيّة المشروع، مصادر استلهامه مشاهد المعارك، استجابة ابن ديزمُند دوسّ للفيلم وأداء أندرو غارفيلد فيه، وقائع من أيام دوسّ في المعركة استُبعدت من الفيلم والسبب، ودافع غيبسون وغارفيلد الرئيسي لصناعة الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Hacksaw Ridge

حقائق قد لا تعرفها عن Apocalypto (الجزء الثاني)

عن أسباب اختيار اللغة، تعليق ميل غيبسون على تجربة العمل مع ريتشارد د. هينسن، ترافق الأمانة التاريخيّة مع الرُّخَص الفنية ونتائجها، تصميم الإنتاج ونهج عمل مبدعه توماس ساندرز، ظروف التصوير ونتائجها، وجهات نظر غيبسون المتعلّقة بتقاطع عالم الفيلم مع عالمنا، وسبب دخول الفيلم في فترة طويلة من التجاهل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Apocalypto

“أعتقد أن سماع لغة مختلفة يفسح المجال للجمهور للخروج من واقعهم بشكلٍ كامل والانغماس في عالم الفيلم. والأهم من ذلك أن هذا يركز الاهتمام على الجانب البصري، فالصّور لغة القلب العالميّة”. هذه خلاصة أسباب اختيار غيبسون للغة والبحث عن خبيرٍ كـ كانول رغم الصعوبات المترتّبة. أما عن العمل مع هينسن فقد قال: “حماس ريتشارد لما يفعله مُعدي، كان قادرًا على طمأنتنا وجعلنا نشعر بالأمان كون في ما نكتبه مصداقيّةً بقدر ما فيه من الخيال”.

وأبرز الأمثلة على تركيبة الأمانة التاريخيّة والرّخصة الفنّية المذكورة نجدها في تصميم الأزياء والمكياج، فسنجد بالمقارنة بين ما شاهدنا وبين الرسومات والنقوشات مدى اجتهاد الخبير التاريخي والفنّانين للإتيان بأفضل نتيجة ممكنة لتعاونهم. ومثالٌ آخر نجده في اختيار عدة ممثلين من سلالة المايا أنفسهم لأدوار هامّة، كالطفلة المريضة التي تلعن جماعة صائدي البشر حين يمرون بها قبل دخولهم المدينة. أمرٌ أبرز مميزاته إيجاد الهيئة الصحيحة بالكامل للدّور كون إيجاد من تخيّلهم غيبسون لدى كتابة النص لم يكن مهمّةً سهلةً على الإطلاق.

ولم يقتصر هذا على العمل على مظاهر الممثلين طبعًا، بل امتدّ لرفض غيبسون الاستعانة بالمؤثرات البصريّة وبناء ما شاهدناه عوضًا عن ذلك، كالأهرامات وما شابه، مُستعينًا بمصمم الإنتاج المبدع توماس ساندرز الذي شرح منهجيّة عمله بقوله: “أردنا إقامة عالم المايا، لكن لم نكن نحاول صنع وثائقيّ. بصريًّا، أردنا تحقيق ما سيملك الأثر الأكبر. تمامًا كما في Braveheart، أنت تخطو على الخط بين التاريخ والتصوير السينمائي. مهمتنا صنع فيلمٍ جميل”. كذلك برر سافينيا مواضع غياب المصداقيّة التاريخيّة في المظهر بالغايات الجماليّة، فمع أن أغلب مظاهر الأبنية تعود لحضارة المايا، إلا أنها لا تنتمي جميعها لنفس الحقبة الزمنية في تاريخهم.

كّل هذه الجهود وُضعت تحت رحمة الأمطار الاستوائيّة المفاجئة بين لحظةٍ وأخرى بما فيها الكاميرات الرقمية، والتي تمت تغطيتها ببطّانيّات فضائيّة لتعكس الحرارة، وزوّدت بمقياس حرارة يُتابَع بحذر. وعلى الرغم من كل الإجراءات الوقائيّة رافق الأمطار إعصارَين أجبرا فريق العمل على التوقف لفترة وتأجيل صدور الفيلم بالتالي لأربعة أشهر.

في النهاية، حقق غيبسون حلمًا آخر وملحمةً أخرى، دعّم بها وجهة نظره حول أن المشاكل التي واجهت المايا ليست مختلفةً كثيرًا عن التي تواجهنا، خاصةً المرتبطة منها بالتراجع البيئي العالميّ، الاستهلاك المفرط، والفساد السياسي، مُقارنًا بين الإمبراطورية العظيمة المتهالكة في الماضي وإمبراطوريّات اليوم. ومما ذكره حول الأمر: “الناس يظنون أن إنسان اليوم مُثقّفٌ بالدرجة الكافية كي لا يصيبه ما أصاب تلك الحضارات، لكننا عُرضة للقوى ذاتها، وقادرون على البطولة والسمو ذاتهم”.

ربما لم تصل جهود غيبسون في صناعة Apocalypto إلى شريحة كافية بسبب تصريحاته المعادية للساميّة في حالة سُكر وقتها والتي أدخلت مسيرته الفنّية في فترة انتظار امتدت لعقدٍ من الزمن، لكنه عاد، ويجب إعادة استكشاف ما قدّمه.

حقائق قد لا تعرفها عن Apocalypto (الجزء الأول)

“ربما أفضل فيلم شاهدته منذ 25 عامًا”، روبرت دوفال. “أعتقد أنه تحفة فنيّة. كان ربما أفضل فيلمٍ ذاك العام”، كوينتين تارانتينو. “هذا الفيلم رؤيا. كثيرٌ من أفلام اليوم لا تذهب إلى مساحاتٍ مضطربة كهذه، كأهمية العنف في استمرار ما عُرِف بالحضارة. أحترم Apocalypto لوضوحه، لكن أيضًا لقوّة وفن صناعته”، مارتن سكورسيزي. هذه بعض انطباعات أهم وجوه صناعة السينما عن رابع أعمال ميل غيبسون الإخراجيّة وثالث ملاحمه، Apocalypto ، والذي سنروي هُنا قصّة صنعه.

في مرحلة ما بعد إنتاج “The Passion of the  Christ” كان الإيراني الأمريكي فرهاد سافينيا مُساعدًا لـ ميل غيبسون، علاقة عمل أثمرت صداقةً بعد مناقشاتهما حول حبهما للأفلام وإثارة صناعتها.

“بدأنا بالحديث عما ستكون الخطوة القادمة، لكننا قضينا الكثير من الوقت على صناعة أفلام نوع أكشن المطاردة. هذه المحادثات بشكل أساسي نمت مكوّنةً هيكل ما أصبح Apocalypto . أردنا تحديث نوع المطاردة بـ، في الواقع، ليس تحديثه بالتكنولوجيا والآلات، بل تجريده إلى أكثر أشكاله حدّيّةً، والذي يتمثّل برجلٍ يجري للنجاة بحياته”. هكذا وصف سافينيا ما قاد لتعاونهما على النص، ليؤكد غيبسون ويُضيف: “أردنا إنعاش نوع أكشن المغامرة المتهالك”.

وبكونهم وصلوا لفكرة كون الأحداث تجري في حضارة زائلة، بدأوا باستكشاف الخيارات ووصلا لخيارين رئيسيَّين هم الأزتك والمايا، واستقرّا على المايا لتطورهم وثقافتهم، “المايا كانوا أكثر إثارةً بكثير بالنسبة لنا. يمكنك اختيار حضارة متعطشة للدماء، أو يمكنك تقديم حضارة المايا والتي كانت في غاية التطوّر مع معرفة واسعة بالطب، العلم، الآثار والهندسة، لكن مع القدرة على إظهار الطقوس الهمجيّة التي مارسوها. كان هذا عالمًا أكثر إثارةً لاستكشاف ماذا حصل لهم ولماذا”. بهذا برّر سافينيا اختيارهم.

اختيارًا قادهم لرحلة شاقّة وساحرة لاستكشاف كل ما يمكن أن تقع عليه أيديهم وأعينهم مما يرتبط بها، فدرسا أساطير الخلق والفناء، نصوصًا مُقدّسة كـ بّوبّول فو للاستلهام من قصصها، ولغة المايا اليوكاتيّة التي اختارها غيبسون لغةً للفيلم، كما سافرا إلى غواتيمالا، كوستاريكا، وشبه جزيرة يوكاتان لزيارة بقايا المايا والبحث عن مواقع تصوير تحمل روحهم.

مُستعينين بمساعد بروفيسور في علم الآثار، متخصص في حضارة المايا، ومسؤول عن مشروع حوض ميرادور الهادف لحفظ مساحة كبيرة من الغابة الاستوائيّة الغواتيماليّة وما تحويه من آثار المايا، هو الدكتور ريتشارد د. هينسن كمستشارٍ طوال فترة العمل على الفيلم، وبعالم لغويّات المايا والبروفيسور المكسيكي هيلاريو تشي كانول كمدرّب نطق ومُترجم.

عن أسباب اختيار اللغة، تعليق ميل غيبسون على تجربة العمل مع ريتشارد د. هينسن، ترافق الأمانة التاريخيّة مع الرُّخَص الفنية ونتائجها، تصميم الإنتاج ونهج عمل مبدعه توماس ساندرز، ظروف التصوير ونتائجها، وجهات نظر غيبسون المتعلّقة بتقاطع عالم الفيلم مع عالمنا، وسبب دخول الفيلم في فترة طويلة من التجاهل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Apocalypto .

حقائق قد لا تعرفها عن The Terminator (الجزء الثاني)

عن اختيار أرنولد شوارزنيغر لدور البطولة وتحضيره له والنتائج، ما أنجزه كاميرون خلال انتظاره بدء التصوير، استجابته للقيود الإنتاجيّة والمغامرات الناتجة، آثار الإجهاد، نهاية مختلفة أرادها المنتجون ورفضها كاميرون والأثر التاريخي لذاك الرفض، وذكريات شوارزنيغر حول تجربته سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة The Terminator

لحسن الحظ، الصدفة تولّت أمر الدور الأصعب، فبعد ترشيح ميل غيبسون لدور المدمّر ورفضه لعدم إحساسه بأنه مناسبٌ له، رُشّح كلٌّ من سيلفستر ستالون، يورغن بروكناو، كيفين كلاين، مايكل دوغلاس، توم سيليك الذي انشغل بتصوير مسلسل “Magnum, P.I”،  وأ.ج. سيمبسون الذي لم يلق حماسًا من كاميرون لصعوبة تخيله قاتلًا بإحساسٍ ميّت، وبقي الأمر معلّقًا حتى وصل المنتجون بعد بحثٍ بين نجوم الشبّاك الصاعدين إلى أرنولد شوارزنيغر، لكن ليس لدور البطولة، بل لدور كايل ريس.

أمرٌ رفضه كاميرون رفضًا قاطعًا خاصةً أنه سيُصبح بحاجة لشخصٍ أكثر ضخامةً منه حتى لدور المدمّر، وجهز نفسه لافتعال شجارٍ معه يعود بعده إلى المنتجين مؤكّدًا أنه غير مناسبٍ للدور، لكن بعد اجتماعهما وجد نفسه يصغي لتعليقات شوارزنيغر على ما يجب أن يتمتع به من سيؤدي دور المدمّر وأهمية أن يكون آلةً لا أن يتصرف كآلة واستشهاده بروعة أداء يول برينر في “Westworld”، ثم يطلب منه الهدوء والتوقف عن الحركة ريثما ينهي رسمًا سريعًا له، ليعود إلى المنتجين مؤكدًا أنه لن يكون كايل ريس، وأنه سيكون أروع مدمّرٍ ممكن.

حماسٌ لم يكن مشتركًا مع شوارزنيغر الذي اعتبر الفيلم مجرد تغييرٍ لطيف عن ما قدمه من قبل لن يملك ذاك التأثير على مسيرته إن فشل كونه إنتاجٌ متواضع، وفوجئ بانتقاله إلى دور الشر في الفيلم، ليقنعه كاميرون بقوله: “هذا ليس فيلمًا عن البطل. إنه عن المدمّر”، بالإضافة طبعًا للمبلغ المعروض. وعلى ما يبدو استطاع كاميرون إقناع المنتجين بـ شوارزنيغر بطلًا لفيلمه لدرجة تمسُّكهم به لأكثر من 9 أشهرٍ تم تأجيل التصوير إلى ما بعد انتهائه لانشغالع بتصوير “Conan the Destroyer”، وهذا ما سبب انسحاب غلين كلوز من دور سارة كونور لعدم مناسبة الجدول الجديد لجدول أعمالها.

9 أشهرٍ أطول من أن يقضيها كاميرون في الانتظار، فشارك خلالها في كتابة نص “Rambo First Blood: Part II”، وناقش فكرة جزء ثاني لرائعة ريدلي سكوتAlien” ثم بدأ بإعداد مسودته التي أصبحت “Aliens”.

انتهت أشهر التأجيل وبدأ شوارزنيغر بتدريبٍ يومي لمدة شهر على استخدام الأسلحة وفكها وتركيبها مغمض العينين، مع قضاء ساعات في ميدان رماية مع أسلحة مختلفة دون أن يرمش أو ينظر إلى الأسلحة أثناء تلقيمها وارتدادها، والعمل على إتقان استخدام كلتا يديه بكفاءة متساوية، لتصبح الحركات أوتوماتيكيّة، إلى جانب تجنُّب اجتماعه مع ليندا هاميلتون ومايكل بيين وعدم تكوينه أي صلاتٍ معهما، كُل هذا جعله يقدّم ربما الأداء الأكثر مديحًا في مسيرته، وجعل مجلة “Soldier of Fortune” المعروفة بانتقادها تعامل الأفلام المفتقر لأي دقة أو واقعية مع الأسلحة تُشيد بكل ما يخص الأسلحة في الفيلم.

أما المنتجين فأشادوا طبعًا بأساليب تعامل كاميرون مع الميزانية والمسماة “صناعة الأفلام الغوريللاويّة” في عالم الأفلام المستقلّة، والمتمثّلة بجولات تصوير سريعة دون الحصول على تصريحات رسميّة أو حتى إعلام العامّة، بأقل عدد من فريق العمل، وفي مواقع حقيقيّة، أمرٌ كان في صف الفيلم بمناسبة المشاهد الليلية لأجوائه ومناسبة الليل للتصوير دون تنبيه السلطات، لذلك هناك بعض المشاهد التي يظهر فيها مارةٌ لا علم لهم بالفعل بما يجري أمامهم.

وصل الأمر لدرجة الاتصال بـ شوارزنيغر الساعة الثالثة صباحًا ليتحضر ويأتي سريعًا إلى موقع تم التأكُّد من بُعد دوريات الشرطة عنه لإعادة تصوير مشهد، وذهاب الاثنين وحيدين لتصوير المشهد الوحيد المتبقّي خلال ساعتين، وهو اختراق المدمّر لشاحنة، مشهدٌ موّله كاميرون بنفسه لخروجه عن حدود الميزانيّة لكنه لم يستطع تحمل تكلفة إذن تصوير فأخبر شوارزنيغر بأن يحضر معه ملابسه العاديّة ويسرع بارتدائها فور انتهاء المشهد لتجنب إمساكهم. والذي كان سيحدث لدى تصوير مشهد النهاية بقدوم الشرطة، لكن واحدًا من فريق التصوير تدارك الأمر بإخبارهم أن هذا مشروعٌ مدرسيٌّ لابنه وأن هذه اللقطة الأخيرة المتبقّية، فصدقوا.

كل هذا الإجهاد جعل شوارزنيغر يذهب إلى مطعم خلال استراحة ناسيًا كونه ما زال في مكياج الشخصية، ما زال بعينٍ واحدة، عظام ظاهرة لفكّه، ولحمٍ محترق.

لكن هذا لا يعني رفض إكمال الفيلم كما أراد المنتجين بطلبهم من كاميرون أن ينتهي الفيلم مع انفجار ناقلة البترول، مانعين إياه من الوصول للمشهد الحلمي الذي بدأ الرحلة كلها، خشيةً على سمعة “Orion Pictures” بإنتاج أفلام بمستوى “Amadeus” و”Platoon” واعتبار الفيلم مُجرّد فيلم ذو ميزانية متواضعة للكسب السريع، لكن كاميرون رفض دون فتح مجالٍ للنقاش، مما زاد من تحفظهم في حملة التسويق المحدودة جدًّا، وزاد من إبهار النتائج التي حققها الفيلم مع حملةٍ كهذه.

“كان فيلمًا صغيرًا. توجّب علينا الاختصار في النفقات طوال الوقت. قمنا بتصويره بسرعةٍ كبيرة. شعرنا بأن لدينا قصة جيدة وأنها يمكن أن تنجح، لكنّنا اعتقدنا أنها ستكون موجهةٍ لفئةٍ محدّدة من الجمهور. لم يتوقع أحد أن نجده في قائمة مجلة Time لأفضل 10 أفلام في العام وأن يحقق ذاك النجاح في شبّاك التذاكر لدرجة طلب الناس لجزءٍ ثانٍ أصبح الفيلم صاحب أعلى إيرادات في عامه”، مما ذكره أرنولد شوارزنيغر لدى حديثه عن تجربته التي منحت اسمه المكانة التي له اليوم بترافقها مع مكانة The Terminator

حقائق قد لا تعرفها عن Mad Max: Fury Road (الجزء الأول)

قضى في جحيم ما قبل الإنتاج قرابة 15 عامًا، ليصبح لدى صدوره أفضل فيلم لعام 2015 وأفضل فيلم أكشن في التاريخ بحسب موقع RottenTomatoes، وأول فيلم مرتبط بسلسلة “Mad Max” وأول فيلم أكشن بكل ما للكلمة من معنى منذ أكثر من عقدين يُرشّح للأوسكار، لـ10 أوسكارات فاز بـ6 منها، أكبر عدد ناله فيلم في عامه، Mad Max: Fury Road وقصة صنعه.

في أغسطس من عام 1998 جالت في ذهن جورج ميلر فكرة فيلم جديد في سلسلته التي أعادت تعريف الأكشن “Mad Max” لدى عبوره لتقاطعٍ في مدينة لوس أنجلس لمح فيه على ما يبدو مطاردةً أو رأى ما يستثيره لتخيلها. وبعد عام وخلال سفره من لوس أنجلس إلى أستراليا كانت الفكرة قد تبلورت وتركزت حول جماعة من اللصوص يخوضون صراعًا بدل انحصاره في النفط أو أمور مادية مشابهة سيكون على بشر. وتمت جدولة الفيلم ليتم تصويره عام 2001 بإنتاج “20th Century Fox” ومن بطولة من سيعود لإحياء دوره الأيقوني ميل غيبسون.

فوقع هجوم 11 سبتمبر ليتم التأجيل إلى أجلٍ غير مسمى كون التصوير سيجري في أستراليا، وانخفاض قيمة الدولار الأمريكي مقابل الأسترالي ضاعف الميزانية بما لا يمكن تداركه، بالإضافة لانسحاب غيبسون لانشغاله بـ”The Passion of the Christ“، فانصرف ميلر للعمل على “Happy Feet”.

لكن مع حلول عام 2003 بدأت المشروع يعود للتماسك وقُرّر البحث عن ماكس آخر وتحديد الميزانية واختيار موقع التصوير في أستراليا، لكن الموقع ذاته لم يرقه الأمر فقد وجدوا غزارة الأمطار قد غيرت معالمه، فتم اختيار مواقع أخرى في ناميبيا، نظريًّا، أما على أرض الواقع فـ ناميبيا خشيت أيضًا جنون ماكس فكان استخراج التصاريح عذابًا إلى جانب صعوبة شحن المعدّات من أمريكا بسبب التشديدات التي رافقت حرب العراق.

أمورٌ أوصلت ميلر عام 2007 للتفكير بجعله فيلم أنيميشن ثلاثي الأبعاد قد يتم إصداره بين عامي 2011 و2012، ليعود عام 2009 وبعد انتقال الإنتاج إلى “Warner Bros” إلى خيار الفيلم الحيّ ويُحدد بداية عام 2011 ومواقع جديدة في أستراليا للتّصوير، لكن مرةً أخرى، أراد القدر أن يمازح ميلر فحولت الأمطار الموقع من صحراءٍ إلى بيئةٍ رومانسية مليئة بالزهور جعلتهم يعودون إلى ناميبيا. لكن الجانب المشرق أن الأمطار لم تطارده بعد ذلك.

وبدأت عملية اختيار ماكس روكاتانسكي التي مرت على كثيرين خلال فترة الإنتاج الطويلة، أبرزهم هيث ليدجر، جيريمي رينر، مايكل بيين، تشانينغ تاتوم، وتوم هاردي الذي فاز بالدّور وقابل ميل غيبسون لمناقشة الأمر معه لينال مباركته. واستمر حظ ميلر بالتعافي بانضمام شارليز تيرون، ثم موافقة مدير التصوير الكبير جون سيل على العودة من تقاعده للعمل على الفيلم، وهذا نتيجة إعجابٍ واحترامٍ كبيرٍ يكنّه كالكثيرين له، كالممثلة صاحبة الـ 78 عامًا وقتها ميليسّا جافر التي أكّدت أنها وافقت على الفور على الدور لأنها علمت أنها لن تنال فرصةً كهذه في حياتها، وليست وحدها في ذلك، فباقي الكبيرات في السن قدّرن أهمية التجربة بشكلٍ دفعهنّ للقيام بمشاهدهنّ الخطرة بأنفسهنّ.

وربما حتى لو لم يكن ميلر معروفًا لهؤلاء، كانت ستكفي لنيل إعجابهم وإشعال حماسهم رؤية الستوري بورد التي أُعدّت قبل حتى كتابة النص للفيلم لكون ميلر أراده مطاردةً متواصلة بأقل ما يمكن من الحوار وأكثر ما يمكن من الغنى البصري، مقتبسًا من هيتشكوك لتوضيح الأمر بأنه يريد أن يُفهَم الفيلم في اليابان دون اللجوء للترجمة، والنتيجة 3500 لوحة أُعدّت بمساعدة 5 فنّانين يساوي عددها تقريبًا عدد لقطات الفيلم النهائيّة. تضمنت طبعًا احتفاء ميلر ببعض التفاصيل الكلاسّيكيّة من سلسلته، كالجاكيت الذي يرتديه ماكس في الجزء الثاني والذي تم نسخه ليرتديه هاردي هنا، ولقطة العينين الموشكتين على الخروج من وجه صاحبهما المأخوذة من الجزء الأول والمُضمّنة هنا في الكوابيس.

عن تعليق تيرون حول العمل من الستوري بورد كـ نص، نتائج فترة الانتظار الطويلة حتى بُثت الحياة في المشروع، دور المؤثرات البصرية والمساحة التي سمح ميلر بوجودها ضمنها، اختيارات ميلر اللونيّة والتصويريّة، المونتاج وسبب اختياره زوجته للقيام به، طرائف خلال التصوير الطويل المُجهد، أثر الفيلم في منتجيه وغيرهم من صناع السينما، وتعليق هاردي على تجربة العمل مع ميلر في مهرجان كانّ سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Mad Max: Fury Road

حقائق قد لا تعرفها عن Good Will Hunting (الجزء الأول)

يحتل المركز 53 على قائمة صحيفة “The Hollywood Reporter” للأفلام المفضلة المئة، فيلم شركة “Miramax” الأكثر تحقيقًا للأرباح حتى تاريخه، واحد من أقرب فيلمين لقلب مات ديمون من مسيرته، عنه حاز روبين ويليامز ترشيحه الأخير و فوزه الوحيد بالأوسكار، وكان ترشيح غاس فان سانت الأول للأوسكار ودبّ برلين الذهبي، Good Will Hunting وقصة صنعه.

عام 1992 بدأ مات ديمون بكتابة مسرحية من فصل واحد كتكليفٍ أخير في مادة كتابة النصوص المسرحية التي كان يدرسها في جامعة هارفارد، لكنه بدل تسليم المسرحية قدم نصًّا سينمائيًّا من 40 صفحة. وبعد أن شارك في فيلم “Geronimo: An American Legend” لـ والتر هيل والذي ترك لأجله الكلية قبل نيل شهادته، طلب من صديقه بِن آفليك أن يساعده في العمل على ذاك التكليف القديم، وبحلول عام 1994 أصبح لديهما نصُّ فيلم إثارةٍ مكتمل يدور حول شابٍّ من شوارع جنوب بوسطن الفوضوية ذو قدراتٍ غير عادية في الرياضيات يحاول مكتب التحقيقات الفيدرالي تجنيده. وذلك بعد الاستعانة باستشارة بروفسور الرياضيات دانييل كلايتمان والذي أُرشدا إليه بنصيحة الفيزيائي الفائز بجائزة نوبل شيلدون لـ. غلاشو المرافقة لنصيحته بتحويل بطلهم من الإبداع في الفيزياء – كما كانت النية الأساسية – إلى الرياضيات لملاءمتها لقصتهم.

بدأ الشابين بعرض نصهما على شركات الإنتاج واستقر بين يدي “Castle Rock”، حيث أقنعهم روب رينر بأن يتخلصا من جانب الإثارة الفيدرالي والتركيز على العلاقة بين ويل وطبيبه النفسيّ، وقاما بذلك بالفعل لكن هذا لم يكفِ الشركة لتقبل بهما بطلين للفيلم بدل تحقيق نيتها بجمع ليوناردو ديكابريو وبراد بيت، فمنحوهما شهرًا للبحث عن شارٍ آخر إن لم يجداه سيكون للشركة حرية اختيار من تريد للبطولة، أمرٌ اجتمعت عليه كل الشركات التي حاولا التواصل معها خلال هذه المدة حتى لجأ أفليك لصديقه المخرج كيفن سميث والذي عمل ويعمل معه، فوعده الأخير بإيصال نصه إلى مكتب هارفي وينشتاين، وأوفى بوعده.

ومن هنا بدأت البشائر، فـ وينشتاين كان الوحيد الذي قرأ النص كاملًا من بين كُل من عُرض عليهم، وعرف ذلك الكاتبين عن طريق فكرة وضع مشهد جنسي مُقحم بين ويل وتشاكي بعد 60 صفحة، بحيث يستحيل على من قرأ النص كاملًا أن لا يستفسر عن الأمر، وكان وينشتاين الوحيد الذي فعل ذلك، وبعد فهم الأمر اشترى النص وأصبحت “Miramax” هي المنتجة مع قبول شرط الكاتبين بأن يقوما بالبطولة.

وهذا الشرط تحديدًا هو الذي منع مايكل مانّ من قبول عرض إخراج الفيلم إلى جانب رغبته بتعديل النص ليصبح ويل وأصدقائه سارقي سيّارات، فحينها لم يكن ديمون ذاك الاسم بعد، وحتى بعد القيام بتجارب الأداء مع أفليك لم ينل رضا مانّ، فتم اللجوء لغيره التزامًا بالشرط الذي وافقوا عليه منذ البداية، وقوبلوا بالرفض من ميل غيبسون، أندرو شاينمان، مايكل وينتربوتوم، وجان سفيراك. حتى اقترح الكاتبَين غاس فان سانت لإعجابهما الكبير بفيلمه “Drugstore Cowboy”، ووافق.

عن انضمام روبِن ويليامز وميني درايفر للفيلم، ما بث الحياة في المشروع بعد طول انتظار، تفاصيل من حياة مات ديمون وبِن أفليك في النص، أثر اليوم الأول فيهما، ارتجالات ويليامز وكيسي أفليك وردة فعل الكاتبَين والمخرج، وارتباط ذكرى الفيلم بذكرى بطله الراحل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Good Will Hunting .

خمسةُ أفلامٍ تسعى لدفن الرصاص لا ضحاياه

عام 1998 أسس آرون غاندي ما سُمّي بموسم اللاعنف، والذي يمتد من ذكرى اغتيال جده المهاتما غاندي في 30 كانون الثاني إلى ذكرى اغتيال مارتن لوثر كينغ الابن في 4 نيسان، للاحتفاءِ بالمبادئ الإنسانية المناهضة للعنف التي حارب لأجلها كلاهما، وكون الموسم بدأ منذ 20 يومًا نقدم لكم الأفلام التالية التي تحتفي بتلك المبادئ مارّةً على تاريخٍ دامٍ سواءً أمَضى أم ما زال يُصنع.

الفيلم الأول:

Judgment at Nuremberg – Stanley Kramer

من نجوم هذا العمل من تنازل عن جزءٍ من أجره، ومنهم من تنازل عن أجره كاملًا، كي يصبح اجتماع سبينسر تريسي، برت لانكاستر، مونتغومري كليفت، مارلين دييتريتش، جودي غارلاند، ماكسيميليان شيل، وآخرين تحت إدارة المخضرم ستانلي كرامر لصنع أقوى فيلمٍ جرت أحداثه داخل قاعة المحكمة في التاريخ ممكنًا.

بناءً على محاكمات القضاة الشهيرة التي أجرتها الولايات المتحدة الأمريكية في نورمبرغ، ألمانيا، إثر نهاية الحرب العالمية الثانية، يروي الفيلم أحداث محاكمة أربع قضاة اتُّهِموا بالاشتراك في ارتكاب جرائم حرب، من بينهم قاضٍ لطالما كسب اعترافًا عالميًّا بما قدمه للتراث الفكري العالمي فيما يخص القانون ومفهموم العدالة.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأهم أحداثه.

الفيلم الثاني:

Circles – Srdan Golubovic

الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك من أشهر مآسي التاريخ الإنسانية، يبدأ الفيلم بحدث إنساني يدافع فيه جندي بوسني عن بائع مسلم يتم ضربه وتعذيبه من قبل جندي طلب منه علبة سجائر فوجدها قد نفذت من كشك البائع، وفي ذروة توتر الأمر وقبل أن نراه كاملًا، نقفز فورًا إلى النتيجة لنشاهد كيف غير هذا الحدث حياة خمسة أشخاص و من حولهم إلى الأبد.

نرى المدينة بعد 12 عامًا بشوارعها المقفرة ووجوه سكانها التي لا مكان فيها لابتسامة، لا ترى لا تسمع ولا تحس إلا بالحزن والألم، قلب أب مفطور، وصديق يسأل نفسه في كل لحظة منذ 12 عامًا: “ماذا لو؟”، وحبيبة نسيت كيف الحب، وابن القاتل يرى بمرآته ملامح أبيه وعلى يديه دماءً، ودين في رقبة حي لميت..

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

A Thousand Times Goodnight – Erik Poppe

ريبيكا (جولييت بينوش) الزوجة لـ ماركوس (نيكولاي كوستر-والداو)، والأم للمراهقة ستيفاني (لورين كاني) والطفلة ليزا (أدريانا كرامر كرتيس)، هي واحدة من أفضل مصوري الحروب وأماكن النزاعات المسلحة على الإطلاق، تصل حالة قبول التعايش مع حياتها الخطرة من قبل عائلتها إلى نهايتها مع مغامرتها الأخيرة.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Children of Hiroshima – Kaneto Shindô

من أفضل من ابنٍ لهيروشيما وسينمائي مخضرم ليتكلم عن آلامها الناتجة عن أحد أبشع الجرائم بتاريخ البشرية والتي عاصر ارتكابها، من أفضل من الياباني كانيتو شيندو الذي قضى قرابة ثلثي عمره البالغ 100 عامًا يقدم للسينما بصناعها ومشاهديها كل ما يملكه من إبداع وشغف، وكان هذا الفيلم أحد أولى أعماله التي جعلت لاسمه وزنًا في كل مكان يقدر السينما، وأحد أولى الأعمال القليلة جدًّا التي قدرت حجم الكارثة الإنسانية وأعطتها مكانًا على الشاشة الفضية، وحتى الآن لم تنل المكان الذي تستحقه..

معلمة المدرسة ناكاكو إيشيكاوا (نوبوكو أوتوا) تعود إلى مدينتها هيروشيما بعد 6 سنوات من إسقاط القنبلة النووية التي أخذت أبويها فيمن أخذت، لتزور من بقي لها من أصحاب ومعارف وخاصةً طلابها الأطفال، فمن بقي منهم؟ وإلى متى هو باقٍ؟؟ وهل يعيش أم ينتظر الموت؟ وهل تتعافى هيروشيما أم أن جروحها أصعب من أن تكفيها 66 سنوات؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا يوجد تريلر للفيلم.

الفيلم الخامس:

Hacksaw Ridge – Mel Gibson

خلال الحرب العالمية الثانية، ديزموند دوس (أندرو غارفيلد) شابٌّ نشأ على مبادئٍ منها ما زُرع فيه ومنها ما اعتنقه لأنه لم يقبل نتائج ما يخالفه، ومن تلك النتائج هجوم اليابانيين على بلاده، مما يجعله يتطوع في الجيش، لكن بشرطٍ يجعله يختلف قليلًا عن باقي الجنود، وهو أن لا يحمل سلاحًا.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لأنه لا يترك الكثير للفيلم.

Hacksaw Ridge

“عَودةُ متقنٍ لصنعةٍ أكثر منها عَودةُ راوٍ شغوف”

السنة 2016
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج ميل غيبسون
المدة 139 دقيقة (ساعتين و19 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 8.4

ميل غيبسون صانع “Braveheart” يعود بعد عشر سنوات من آخر أعماله الإخراجية بفيلمٍ إنسانيٍّ عن قصة مجدٍ وقعت خلال الحرب ولا تُدين بمجدها للحرب، وبطله هو أندرو غارفيلد أحد أكثر شبان هوليوود الحاليين قدرةً على ربط ملامحه بنبضات قلبه، لا يمكنك مع معلوماتٍ كهذه إلا انتظار الكثير، وللأسف، قد لا يكون هذا أفضل ما تفعله.

خلال الحرب العالمية الثانية، ديزموند دوس (أندرو غارفيلد) شابٌّ نشأ على مبادئٍ منها ما زُرع فيه ومنها ما اعتنقه لأنه لم يقبل نتائج ما يخالفه، ومن تلك النتائج هجوم اليابانيين على بلاده، مما يجعله يتطوع في الجيش، لكن بشرطٍ يجعله يختلف قليلًا عن باقي الجنود، وهو أن لا يحمل سلاحًا.

كتب روبرت شينكان وأندرو نايت نص الفيلم، ناسين خطورة وحساسية الاقتراب من كل ما يرتبط بالحرب العالمية الثانية كونها ربما أكثر فترة متناولة سينمائيًّا على الإطلاق، ومن السهل جدًّا معها الوقوع في فخ التكرار أو الميلودراما غير المرغوبة، مما يضعهم أمام تحدٍّ كبير لرواية قصة بطلهم بحيث يستطيعون جعل استنادها لما وقع بالفعل يغلب القناعة المسبقة عما يشابهها أنها مجرّد بطولات هوليوودية، تحدٍّ لم يحاولوا حتى كسبه، بل ذهبوا بعيدًا في تجاهله خاصّةً في الحوارات والنصف الأول الذي يبنون فيه أساس القصة والشخصية الرئيسية كحكاية ما قبل النوم. لا يكفي مع قصّةٍ كهذه قد تهز الدنيا إن رويت كما يجب أن تُقسم أنها وقعت.

إخراج ميل غيبسون بدأ تخبُّطه بقبوله النص على حاله، جاعلًا من عودته عودةَ متقنٍ لصنعةٍ أكثر منها عودةَ راوٍ، فهو يتقن تكثيف الأثر الحسي لحكايته، صبغ السرد بطابعٍ ملحميٍّ طاغٍ قادرٍ على خلق انطباعٍ أوليٍّ قد يذهب بالقدر الأكبر من الأثر السيء للنص، إدارة المجاميع والمعارك المحكمة التي لطالما عُرف بها، واستغلال أداءات ممثليه، لكنه ذهب بعيدًا فيما سبق هنا حتى خرج الأثر عن سيطرته بشكلٍ أضر بعمله، ففي بعض الأحيان استحال التكثيف الحسي مبالغةً ميلودرامية لا حاجة لها، وفي أخرى أصبحت الملحمية احتفاءً بطوليًّا قد يضفيه راوٍ في حديثه لحفيده عن أمجاده لا محتفٍ بموقفٍ ومبدأٍ إنسانيّين يريد أن يعبرا للعالم أجمع، لتصبح حتى أداءات ممثليه – عدا الرئيسي – صدًى لذلك.

أداء صادق القلب والروح والإخلاص لمن يجسده من أندرو غارفيلد أبكى ابن ديزموند دوس لكثرة ما ذكّره بأبيه، وأداءات جيدة بشكل عام من باقي فريق العمل، تصوير جيد من سايمون دوغان، وموسيقى مناسبة من روبرت غريغسون-ويليامز.

حاز على 38 جائزة ورشّح لـ79 أخرى أهما 6 أوسكارات لأفضل فيلم، إخراج، ممثل بدور رئيسي، مونتاج، ومونتاج ومكساج صوت.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لأنه لا يترك الكثير للفيلم.