أرشيف الوسم: ويليام فينلي

Phantom of the Paradise

“لعشاق القراءة والموسيقى والسينما!”

السنة 1974
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج برايان دي بّالما
المدة 92 دقيقة (ساعة و32 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من رعب دموي
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.4

هذا الفيلم سار في الاتجاه المعاكس، وعى الجماهير قيمته قبل النقّاد الذين هاجموه وقت صدوره، ليبدأوا بعد سنوات باستيعاب الجرعة المكثفة من الفن والاحتفاء بالفن ومختلف الأنواع السينمائية التي قدمها برايان دي بّالما فيه، خلال ساعة ونصف. الاحتفاء ذاته الذي سيصبح محل إعجاب في أعمال تارانتينو بعد عشرين عامًا تعلم خلالها نقاد Phantom of the Paradise من خطئهم متأخرين.

وينسلو ليتش (ويليام فينلي) موسيقيٌّ مؤلّفٌ وعازفٌ ومغنٍّ على وشك إنهاء عمله على قصة موسيقيّة غنائيّة مستندة إلى أسطورة فاوست الألمانية التي يبيع بطلها روحه للشيطان، يقدّم مؤلفاته لمنتجٍ موسيقيٍّ يُسمى “سوان” (بول ويليامز) في مقابل وعدٍ زائف تقوده معرفة حقيقته إلى طرقٍ مظلمة لاسترجاع ما سُلب منه.

كتب برايان دي بّالما نص الفيلم، بإتقانٍ قارب الذروة لما بدأه في تجاربه السينمائيّة الأولى، فهنا، لم يتخل عن حرية الذهاب لأي ميدانٍ يريد استكشافه، رؤيته لـ فاوست، ولعُه بصورة دوريان غراي المرسومة بكلمات أوسكار وايلد، إثارة ظلامية حكاية “شبح الأوبرا” الذي لم يتوقف عن زيارة السينما بين فترةٍ وأخرى بحلةٍ جديدة وتقديره لزياراتٍ محددةٍ له، الموسيقى التي كانت دافعه الرئيسي لكتابة النص حين سمع في أحد المصاعد إحدى روائع البيتلز وفوجئ بانعدام تقدير الأغنية لدرجة استخدامها بهذا الشكل، فردية الفنان في وسطٍ يُجرّم الفرديّة، العرفان بالجميل لبعضٍ من أهم روائع الرعب والجريمة وصناعها بين “كابينة الدكتور كاليغاري” وروبرت فاينه، “لمسة شر” وأورسون ويلز، إلى “سايكو” وألفريد هيتشكوك. لكن رغم كل هذه الحرية، تنسجم جميع النقاط والخطوط بسلاسة وتضيف كلٌّ منها للأخرى وترتقي بأثرها، مشكّلةً بالفعل قصةً واحدة لا يثقلها الغنى بل يزيد من جاذبيتها وحب العودة إليها أكثر من مرة، خاصةً مع شخصياتٍ استثنائيّة تُحب صحبتها الذاكرة بغرابتها وظلاميتها واستثارتها للفكر، وحواراتٍ جذّابة، السوداويُّ منها والدّيبّالمي السخرية.

إخراج برايان دي بّالما طاقةٌ معديةٌ مُذهلة، يتحرك بخفة بين الموسيقي الغنائي والرعب والكوميديا والفانتازيا، بين السوداوية وتدفّق الشّغف والعاطفة الذي سيفطر قلب كل مبدع، وبين احتفاءٍ عبقري التوقيت والانسجام بفن أحد صناع السينما الذين يحترمهم وآخر. ألوان كلاسيكيات الخمسينات والستينات الغنائية مع تعبيريّة رعب السينما الألمانية وروبرت فاينه ترسم القصة المصوّرة لتشويه بكريّةِ فنٍّ وروح مبدعه، في عالمٍ غرائبيٍّ باذخ يمنح القصة حالةً خاصّةً وأجواءًا فريدة، وتتسلل إليه سخرية دي بّالما في ملامح تشوُّه ذاك العالم، مختارًا دومًا الزاوية الأمثل للمس كل هذه التفاصيل وتكثيف أثرها، خاصةً بقدسية تقديمه للشخصيات ولحظات الانعطاف في تطورها، من اللقطة الدائريّة المحبة للشغف الذي تلتقطه في ظهور وينسلو الأول مع البيانو على المسرح، إلى هدوء رصد لحظات اكتشافه لحقيقة الوعد، تحول الكاميرا للحاق بثورته بتوتُّرٍ حركي ومونتاجي، العودة إلى الهدوء مع تسلل الظلامية إليه لجعله منذرًا بما يستحق الترقُّب، ثم رصد الجنون بجنون في نهايةٍ ملحميّة.

أداء رائع من ويليام فينلي لَم يكتفِ بكون ملامحه تجعله الخيار الأمثل (فمن يُمكن لإحدى عينيه أن تملك السلطة التي ملكتها عين فينلي هنا)، بل أفاد من إتقان رسم الشخصية ولحظات تطورها التي تقود لمنعطفات حادّة لجعل شخصيته الأكثر حقيقيّةً في عالمٍ فانتازيّ الشكل، أداء لا يقل عنه من بول ويليامز بطريقة كلامه ولكنته يجعل الهالة التي يضيفها دي بّالما على ظهوره مُستحقّة، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل مفيدة من كل فرصة وخاصةً جيسيكا هاربر التي استطاعت أن تكون آخر ملامح الجمال في هذا العالم.

تصوير جعل التعاون السينمائي الوحيد هذا بين دي بّالما ومديره لاري بّايزر لا يُنسى بحركته المضبوطة حتى في لحظات جنونها والألوان الساحرة وعدم تفويت أي لحظة تميُّز في الأداءات، تصميم إنتاج قوي الحضور في أثر التجربة من جون فيسك، وموسيقى وصلت من الروعة لحد اعتبار البعض أن مبدعها بّول ويليامز هو المؤلف الثاني للفيلم، خاصةً بأثرها الجوهري في خلود العمل ونمو قاعدة المهووسين به عبر أربع عقود، دورها في ضبط الإيقاع، وجعلها شريط الصوت يروي القصة بصوتٍ واحدٍ مع الصورة مما أنتج ساعة ونصف يصعب تصديق أنها مضت حين تمضي.

حاز على 3 جوائز ورُشّح لـ 5 أخرى أهمها الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Phantom of the Paradise لما فيه من حرق لأحداثه.

Sisters

“مشاهدٌ شغوف يصبح مخرجًا”

السنة 1972
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج برايان دي بّالما
المدة 93 دقيقة (ساعة و33 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والعنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.0

في عام 1972 ومع هذا الفيلم كان دخول برايان دي بّالما العالم الذي لن يتوقف عن النهل منه وإغنائه طوال مسيرته، عالم الإثارة، حيث كان الكبير ألفريد هيتشكوك سيّدًا وقد عاد بآخر تحفه “Frenzy” بعد غيابٍ لثمان سنواتٍ صدر لها خلاله فيلمين قوبلا بفتور. أول هيتشكوكيّات دي بّالما وآخر تحف هيتشكوك صدرا في العام ذاته، من الصعب إيجاد صدفة تسليمٍ للراية أروع من هذه.

دانييل بريتون (مارغوت كيدر) كندية فرنسية تسعى لتصبح عارضة أزياء وممثلة، تتعرف في ليلة إلى شابٍّ لطيف يصطحبها إلى المنزل، لكن في الصباح يقع ما لا يجعل نهاية اللقاء رومانسيًّا كبدايته، جُثّةٌ مشوّهة ودماءٌ ملأت المنزل وكُتِب بها نداء مساعدةٍ على نافذةٍ كانت شاشة العرض للجريمة لساكنةٍ في البناء المقابل.

كتب برايان دي بّالما نص الفيلم عن قصته بالاشتراك مع لويز روز، مستلهمًا من مقالٍ قرأه عن توأمتين سياميّتين روسيّتين حمل صورةً تُبدي الحيوية والطيبة في إحداهما والاضطراب والتجهم في الأخرى، ومن روائع هيتشكوك المُحتفى بها فكريًّا وأسلوبيًّا هنا، ببراعةٍ في مزج ما سبق مع أصالة سخريته المبطّنة وتعليقاته الاجتماعية التي اعتاد كارهوه تحويرها، تكفي مشاهدة طريقة تقديمه رؤيته للمجتمع الذكوري هنا لتأكيد ذلك كون أغلب كارهيه يتهمونه بكراهية النساء، يكفي تأمُّل الشخصيّات الرئيسيّة الثّلاث، دانييل، غريس وإيميل، وتطور علاقاتهم والكشف عن ماضيهم ليصبح من الصعب إيجاد تجسيدٍ أذكى وأكثر سلاسةً للتوجيه الذكوري للكبت عند الأنثى كما وصفه فرويد.

إخراج برايان دي بّالما محدود بالميزانيّة وغير مكتمل الثقة بعد، لكن هذا لم يمنع استعراضًا أسلوبيًّا آسرًا سيطر على التجربة، وجعل الرعب والإثارة لا يتوقفا على لحظات الخطر، ومنذ البداية التي وإن تخللتها بعض اللقطات المقرّبة باهتة الأثر تحمل إنذارًا وحالةً ترقُّبيّة لا مُبرر كافٍ لها بعد، ولا يُقدّم المبرر دفعةً واحدة، ولا يكون أقل مما حضرتك له الحالة الترقّبيّة حين يكتمل تقديمه، في متواليةٍ أيقونيّة تجمع متلصصةً من نافذةٍ خلفيّة على جريمةٍ ترتكبها معتلّةٌ نفسيًّا في شاشةٍ منقسمة أصبحت بصمةً ديبّالميّة، مع موسيقى بِرنارد هِرمان، هيتشكوكيّتين بعين دي بّالما، الاحتفاء والأصالة جنبًا إلى جنب، ثنائيّةٌ ستستمر طوال الفيلم وصولًا إلى نهايةٍ ساخرة لا تحمل إلا صوت صانعها الشابّ.

أداء ممتاز من ويليام فينلي ساهم في الرعب، وأداءات جيدة من مارغوت كيدر وجينيفر سولت، تصوير جيد من غريغوري ساندور، وموسيقى رخيمة وجوهريّة في متعة وأثر الفيلم من الكبير بِرنارد هِرمان صاحب التعاونات التاريخيّة مع هيتشكوك.

تريلر Sisters