أرشيف الوسم: ويليام وايلر

حقائق قد لا تعرفها عن Patton (الجزء الثاني)

عن خلافٍ بين فرانكلين ج. شافنر وجورج ك. سكوتّ وسببه وكيفية تعامل شافنر معه، ثقة سكوتّ المهزوزة في جودة ما يقدّمه واستجابته للترشيح الاوسكاري والفوز، صلات مباشرة بين حرب الواقع والحرب على الشاشة، بّاتون وقصيدةٌ وفروسيةٌ وخيل، وأثر الفيلم في الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وإرثه المستقر في متحفٍ حربي والسبب سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Patton

هُدّدت فرصة شافنر في تولي مهمة الإخراج بما سبّب انسحاب ويليام وايلر من المشروع وهو الخلاف مع سكوتّ، وكان حول افتتاح الفيلم بالخطبة التي يعتبرها بعض المؤرخين من أفضل الخطَب الملهمة في التاريخ، سكوتّ رأى أن ذلك سيضر باستقبال أدائه لأنه سيُنتظر منه ما يرتقي لتلك الخطبة طوال الفيلم، فما كان من شافنر إلا أن طمأنه وأخبره أنه سينقل الافتتاحية إلى الخاتمة دون نية حقيقية لفعل ذلك.

لم يكف ذلك سكوتّ القلِق من حجم المسؤوليّة، بل كان يُكثر من الاعتذار لـ شافنر خلال التصوير كونه لم يشعر أنه نجح في الإحاطة بتعقيد الشخصية. هذا كان همه الوحيد، لا إثبات تفوقه، لدرجة أنه رفض فكرة ترشيحه للأوسكار أساسًا ورفض استلام الجائزة في حدثٍ هو الأول من نوعه في التاريخ، فالمنافسة والمقارنة في رأيه غير منصفتَين. ربما هو على حق، لكن الأكيد أنه قدّم دورًا للتاريخ.

كذلك المارشال برنارد لو مونتغومري الذي قام بدوره مايكل بيتس في الفيلم لم يؤمن بالمنافسة، لكن لأسباب مختلفة، لسببٍ مختلفٍ وهو ثقته العمياء بتفوقه وبأن لا طرق صحيحة إلا التي يسلكها، كما كان مونتغومري الحقيقي، فالمشهد الذي يستبدل فيه مونتغومري خطط الجنرال بخططه وقع بالفعل.

وكثيرٌ من المشاهد المنقولة من الواقع لم تكن بحاجة للرخصة الإبداعية للتعديل، كالمشهد الذي يخبر فيه بّاتون الجنرال هارولد أليكساندر (جاك غويليم) أنه كان في جيش نابليون بونابرت، كإشارةٍ إلى القصيدة التي كتبها بّاتون بعنوان “Through A Glass Darkly” التي يمر فيها على ذكرياتٍ ضبابيّة لستّ حيواتٍ عاشها من قبل، من رجل الكهف إلى أحد جنود الإمبراطوريّة الرومانيّة إلى أحد جنود نابليون، في كلٍّ منهم كان جنديًّا. وحادثة الصفع التي جُرّد فيها بّاتون من صلاحيّاته القياديّة لـ11 شهرًا رغم اعتذاره ممّن صفعهما. لكن تسريب الأمر للصحافة اضطر المسؤولين لمعاقبته بهذا الشكل.

والمشهد الذي يقول فيه كودمان (بّول ستيفنز) لـ بّاتون أن الجنرال أليكساندر أخبره أن لا يستولي على باليرمو، الحادثة ذاتها وقعت حين غزا بّاتون ألمانيا ووصلته أوامر بتجاوز بلدة ترَيَر، فأجاب: “استوليت على ترَيَر بكتيبتَين، أتريدني أن أُرجعها؟”. والمشهد الذي يأمر فيه بّاتون القسّيس أن يصيغ دُعاءً لحالة الطقس، فحينها صاغ القسّيس الدُّعاء على مضض، ثم أخذه بّاتون وطبعه على بطاقاتٍ بريديّة وزّعها على جنوده، وحين انجلى الطقس كافأ القسّيس بنجمةٍ برونزيّة.

حتى المقابلة التي يُجريها بّاتون من على ظهر جواد كانت احتفاءً بدوره في إنقاذ فصيل حصان الليبيزانر الذي تشتهر به مدرسة ركوب الخيل الإسبانيّة بالإضافة لما فيها من خيولٍ عربيّة، فـ بّاتون هو من حرص على أن لا يجعل السوفييت المتقدّمين من الأحصنة طعامًا لهم مما كان سيقضي على حصان الليبيزانر إلى الأبد. لا يُستغرب أمرٌ كهذا من أحد أقوى المبارزين والمصمّم لسيفٍ حربيٍّ سُمّي باسمه، من أحد الفرسان.

هذه بعض الأحداث الاستثنائيّة العديدة التي شكّلت شخصيّة Patton غير سهلة الفهم وجعلتها مغريةً للاستكشاف سينمائيًّا، جعلتها ملهمةً لـ الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الذي كان يشاهد الفيلم قبل اتخاذه أي قراراتٍ عسكريّةٍ حاسمة، وجعلت المنتج فرانك ماكارثي يستمر في محاولة تقديم بّاتون على الشاشة لعشرين عامًا اختتمت بفوزه بأوسكار أفضل فيلم وتبرعه به لمتحف الجنرال جورج ك. مارشال الذي أشاد ونستون تشرشل بدوره في الحرب العالمية الثانية، وكان ماكارثي قائد لواءٍ تحت إمرته. ما زال أوسكار ماكارثي في المتحف حتى هذا اليوم.

حقائق قد لا تعرفها عن Ben-Hur (الجزء الثاني)

عن نهج وايلر في صناعة الفيلم وغِنى وصرامة تفاصيله، مشاركة هيستون في الحوارات وموقف وايلر منها وموقف هيستون من أسلوب تعامُل وايلر مع فريقه، رؤية وايلر لمحور الفيلم الحقيقي، نتائج حرصه على مصداقية الأثر، تواصله مع ديفيد لين طلبًا للمساعدة والنتيجة، صنع المتوالية التي عُدّت أفضل متوالية أكشن وُضِعت على شريط سينمائي على الإطلاق، معركة البحر، موسيقى ميكلوش روجا، تقدير المنتجين لـ إرث الفيلم، ورؤية هيستون لحقبة الملاحم التي كان له منها نصيب الأسد وما أمكن أن تكونه إن تبادل اسمين الأمكنة أحدهما وايلر سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Ben-Hur .

لم تغفل عين وايلر المهووسة بالتفاصيل طوال 16 ساعة لـ6 أيامٍ في الأسبوع يقضي سابعها مع فراي العامل على النص، لأشهر تصوير الفيلم التسعة التي أدار بها بأكثر من 10000 كومبارس بالإضافة للممثّلين الأساسيّين، والتي تبعها ستة أشهرٍ في المونتاج البالغ من الدقة أن تؤخذ مثلًا قدمٌ واحدة من شريط الفيلم لكلّ 263 قدم استُعملت في تصوير متوالية سباق العربات، عاد بعدها مصابًا بالشقيقة التي لم تفارقه حتى صدور الفيلم حسب ما ذكرته زوجته، خاصّةً أن وفاة زيمباليست قبل الانتهاء من التصوير غيرت خططه المعتمدة على أن زيمباليست سيتولّى الإشراف على وحدة التصوير الثانية وإعاداتها، وجعلته المسؤول الوحيد عن كل شيء.

وبمعرفة ذلك يمكن بسهولة تفهُّم صرامة قراراته وتصرّفاته التي لطالما خلقت خلافًا مع هيستون، والذي ذكر أن وايلر ليس أبدًا بالشخص المرن حول تغيير رأيه بالنسبة لأسلوب مشهدٍ معين، حتى أنه رفض رفضًا قاطعًا القبول بأي سطرٍ من الحوارات التي كتبها هيستون بنفسه لبعض المشاهد بينه وبين ميسالا معتبرًا إياها من أكثر الأشياء تصنُّعًا التي قابلها مع ممثّل.

“أشك أن وايلر يحب الممثلين، هو لا يتعاطف معهم، يستفزونه في موقع التصوير ويفقد صبره بسرعة. لكن بالنتيجة تكون الأداءات ممتازة. الإجابة الوحيدة التي أملكها هي أن ذائقته استثنائية ولا شك فيها وكل ممثلٍ يعرف ذلك”، هكذا علّق هيستون على كون وايلر المخرج الذي فاز الممثلون تحت إدارته بالأوسكار أكثر مما فعلوا مع أي مخرجٍ في التاريخ، مؤكّدًا أنه وإن تمنى أن يكون وايلر شخصًا ألطف في موقع التصوير لكن هكذا تُصنع الأفلام العظيمة.

كان يقول وايلر مازحًا: “تطلّب الأمر يهوديًّا لصناعة فيلمٍ جيّدٍ عن المسيح”، وفي هذا من الصحة الكثير، فكونه يهوديّ جعله ينظر للأمر بمنظورٍ أوسع دون انحياز وتعاطف، لتكون النتيجة أنه اعتبر “قصة المسيح” في عنوان الرواية مجرد مصادفة، وأنها في الحقيقة وبشكلٍ أساسيّ عن رجلٍ يُدعى جوداه بين-هور، مما أكسب الفيلم قبولًا عالميًّا وأكّد حديث هيستون عن تميز ذائقة ورؤية وايلر.

والذي وصل بالاهتمام بمصداقية الأثر أن يأتي بالكونت الإيطالي مارغليانو ديل مونتي، الكونت الإسباني سانتياغو أونيتو، الدوقة الإيطالية نونا ميديسي، الأميرة النمساوية نينا هوهينلو وزوجها الأمير، الأميرة الروسيّة إيرينا واسيلتشيكوف، البارونة الهنغارية ليليان دو بالزو، والأمير الإيطالي رايموند من بين آخرين من نخبة الأرستقراطيين ليمثلوا الضيوف في متوالية الحفل في قصر كوينتوس آريوس، والذي احتوى 45 نافورةً فعلية واستُخدم في بنائه ميلٌ من الأنابيب المعدنيّة.

إلا أنه رغم كل هذا التمسك برؤيته وتفاصيله أُعجب بـ”The Bride on the River Kwai” لدرجة طلبه من مخرجه الكبير ديفيد لين أن يُخرج سباق العربات مع حفظ ذكره بهذا الصدد، لكن لين رفض لثقته الكبيرة بموهبة وقدرة وايلر وأنه سيأتي بشيءٍ استثنائي.

والآن، يشهد التاريخُ بأن هذا ما حدث، في مشهدٍ استهلك، 18 عربة و100000 قطعة أزياء صُنِعت خصّيصًا للفيلم، 82 حصانًا أُحضرت من يوغوسلافيا، 6 من أحدث وأغلى الكاميرات على الإطلاق وهي الـ65 ملم الجديدة وقتها والتي شُحِنت من كاليفورنيا وحُطّمت إحداها بحادثٍ خلال التصوير، 15 ألف كومبارس في أكبر موقعٍ لفيلم حتى تاريخه، بناه 1000 عامل، يمتد على أكثر من 7 هكتارات، أكثر من 600 متر طولًا و20 متر عرضًا في استديوهات شينشيتا على أطراف روما تُغطّيها 40 ألف طنٍّ من الرمل شُحِنت من المكسيك. بل وبُني مسار مطابق مُجاوِر للتدريبات والبروفات كون المسار الذي سيتم فيه التصوير لم ينته بناؤه إلا بعد بدء العمل في الفيلم، كما صاحبت التصوير مشفى متنقّلة لخطورة المشهد.

ولكون محترف الأعمال الخطرة ياكيما كانَت ومساعد المخرج أندرو مارتون أكثر خبرةٍ في التعامل مع حركة بهذا الشكل، وضع وايلر خطّةً دقيقة للتصوير وزوايا الكاميرا كاملةً وترك التصوير الفعلي في أيديهما، بعد أن صوّرا السباق كاملًا بلقطةٍ واحدة ليكسب الجميع رؤيةً أوضح بُنيت عليها خيارات وايلر، ولحسن الحظ، شاركهما العمل أيضًا أسطورة الويسترن المستقبلية الإيطالية سيرجيو ليوني، وحين رأى وايلر النتيجة أكّد أنها من أروع الإنجازات السينمائية على الإطلاق وأشرف على مونتاجها صورةً صورة ليأخذ الإنجاز حقه من التقدير.

.

.

فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم:

.

.

.وإحدى أروع لحظات ذلك الإنجاز صُنِعت بحادثةٍ كادت تودي بحياة جو كانَت ابن ياكيما كانَت، والذي كان دوبليرًا لـ هيوستون، وإثر عدم التزامه بتعليمات أبيه في مشهد مرور العربة فوق حُطام أخرى قُذف إلى المقدمة بقوّةٍ كادت توقف قلب ياكيما ليقينه برؤيتها أنه فقد ابنه، لكن جو استطاع النجاة والعودة إلى مكانه، وبدَت اللقطة رائعةً بشكلٍ جعلها تعبر إلى النسخة النهائية مع لقطة مقرّبة لـ هيوستون يتسلق عائدًا إلى مكانه في العربة، وما كانت اللقطة تلك ممكنة لولا إدراك مارتون أنه رغم ثقل وصعوبة تحريك الكاميرات الجديدة إلا أن الطريقة الأنسب للتصوير هي بأن تكون الكاميرات وسط السباق، محملة على سيّارة أو عربة بعجلات مطّاطيّة، ويجعل بعض العربات تجري بثلاثة أحصنةٍ بدل أربعة ليصبح من الممكن اقتراب الكاميرا أكثر.

قرارٌ خطيرٌ نتج عنه حادثة اصطدام عربتين بالكاميرات المحمية بحواجز خشبية لم تستطع إنقاذ واحدةٍ منها، دون أي إصابات للبشر أو الأحصنة، في حين تكفّلت الشّمس بإحداث الإصابات بدرجات الحرارة العالية في روما التي منعت الأحصنة من أن يستطيعوا الجريان لأكثر من 8 جولات في اليوم وأجبرت فريق التصوير على العناية الكبيرة بالتفاصيل ليستطيعوا اعتماد أغلب اللقطات الأولى. وكل هذا طبعًا سيجعل من المستحيل اعتماد الصوت في الموقع، لذلك تم التصوير دون أي صوت لتتم إضافته في مرحلة المونتاج.

ودون حتى موسيقى تصويرية، ومع ذلك تبقى موسيقى الهنغاري ميكلوش روجا البالغة مدتها ساعتين ونصف هي أطول موسيقى تصويرية لفيلم في التاريخ، وأقرب أعماله لقلبه، فخلال عام وضع فيها خلاصة 20 عامًا في مسيرته من التعقيد والدقة والحساسية والغنى العاطفي، فكانت ذات تأثيرٍ تاريخي للـ15 عامًا التي تلت صدور الفيلم على موسيقى الأفلام، تأثيرٌ تقاسمته بعد ذلك مع تأثير إنجازات جون ويليامز مع سبيلبرغ.

أما علامة الأكشن الأخرى للفيلم وهي معركة البحر فقد صوّرت في استديوهات “MGM” في كاليفورنيا، في حوضٍ كبير رُسِمت وانتصبت في خلفيته لوحةٌ عرضها 61 مترًا وارتفاعها 15 مترًا لإخفاء التلال وما شابه، بُني لأجلها 40 نموذج مصغّر للسّفُن وسفينتين حربيّتين كاملتين مبنيتين على مخططات في المتاحف الرومانية، وتم الاستعانة بفاقدين لأيدي أو لأرجل لزيادة الواقعية والدموية دون ظهورهم لوقتٍ طويل على الشاشة كي لا تَثقل التجربة على الصدر.

كل هذه الجهود والتأثير وما تحمله من أهمية تاريخية لم تعن المنتجين بقدر ما عنت لهم الأرباح الخيالية التي أنقذتهم من الإفلاس، والتي بدأت قبل حتى صدور الفيلم بتحوّل مواقعه لمزارٍ سياحيّ لفت نجومًا كـ كيرك دوغلاس، هاري بيلفونت، جاك بالانس، سوزان هايوورد، وأودري هيبورن، من بين 25 ألف زائر، فأنفقوا قرابة 150 ألف دولار على تفكيك المواقع وبيع ما يمكن بيعه منها حريصين على عدم ترك الفرصة لشركات منافسة للاستفادة منها، وباعوا ما تبقى في مزادٍ عام 1970 بيعت فيه إحدى العربات بـ4000 دولار لصاحب مطعم، قُبض عليه لاحقًا لقيادته العربة على الطريق العام.

بعد سنين، تأمّل هيستون الملاحم التي شارك فيها، ورأى أنه لو أن وايلر أخرج “El Cid”، وأخرج أنتوني مانّ ” Ben-Hur “، لن يكون الأخير بأقل مما كانه بفارقٍ كبير، بينما سيصبح الأول أروع ملحمةٍ صُنِعت على الإطلاق.

حقائق قد لا تعرفها عن Ben-Hur (الجزء الأول)

الملحمة الإنجيلية السينمائية الأروع والأكثر خلودًا، الفائز الأول بـ11 أوسكارًا، مغامرة شركة “MGM” الأكبر والأخطر إثر مقاربتها الإفلاس والتي أثمرت إعادتها إلى القمة وفوزها الأخير بأوسكار أفضل فيلم، يحتل المركز الثاني على قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأروع الأفلام الملحمية في التاريخ، فيه ما يُعتبر أروع متوالية أكشن وُضعت على شريط سينمائي، وعنه فاز أحد أكبر أساطير زمنه تشارلتون هيستون بأوسكاره الوحيد، Ben-Hur وقصة صنعه.

في أواخر عام 1952 أعلنت شركة “MGM” أنها ستعيد صناعة “Ben-Hur: A Tale of the Christ”، النجاح الأول الذي جعلها تجد مكانها بين حيتان الإنتاج السينمائي المستند إلى رواية ليو والاس الصادرة عام 1880، مع وضع أكبر نجوم الشباك لديها في عين الاعتبار كـ ستيوارت غرانغر، روبرت تايلر، مارلون براندو، وآفا غاردنر، وخلال الأعوام الأربعة التالية عهدت لـ سام زيمباليست بمسؤولية الإنتاج والذي طلب من كارل تونبرغ إعداد نص الفيلم، ولـ سيدني فرانكلين بمهمة الإخراج واختير مارلون براندو بطلًا للفيلم، وقدّرت الميزانية بسبعة ملايين وأُعلن بدء التصوير مع حلول الشهر الرابع من عام 1956 في إسرائيل أو مصر.

حال مرض فرانكلين دون توليه مهمة الإخراج فأوقِف العمل على الفيلم، ومع خسارة الاستديوهات السلطة التي كانت لها على صالات السينما بمرسوم عام 1948 ومنافسة التلفزيون المتزايدة بدأت تتهاوى أرصدة “MGM” وكان عليها اتخاذ خطوات سريعة ومصيرية، ليأتي نجاح ملحمة سيسيل ب. ديميل “The Ten Commandments” المُبهر كإشارةٍ لهم بأن ملحمتهم المنتظرة ستكون المُنقِذ، فعرض زيمباليست كُرسيّ فرانكلين على من عمِل كمساعد مخرج في الأصل الصامت وأحد أكبر مخرجي عصره وكل عصر ويليام وايلر.

ليرفض الأخير لاعتباره نص تونبرغ بدائيًّا وعظيًّا بحواراتٍ أقرب لعصرنا من عصر القصة وذات دلالات سياسية مباشرة، فعرض زيمباليست عليه بعض الرسومات الأولية لمتوالية سباق العربات الشهير وأكد مرونة تعديل النص وأن الميزانية قابلة لتصل إلى 10 ملايين مع أجرٍ لم يكن لمخرجٍ قبله يبلغ 350 ألف مع نسبة من الأرباح، فوافق وايلر متحمّسًا بقدر قلقه لنوعٍ لم يجرّبه من قبل وطامعًا بأن يتفوق على أهم منافسيه وصاحب “The Ten Commandments”.

ومن هنا بدأت إحدى أكثر قصص كتابة النصوص جدلًا في تاريخ هوليوود، فأتى وايلر بدايةً بالكاتبين المسرحيّين س. ن. بيهرمان وماكسويل أندرسون لإعداد مسوداتٍ جديدة، ليراجع حواراتها غور فيدال رغم رفضه التعاون في البداية لكن بوعد وايلر له أن يُخلّصه من العامين الباقيين في عقده مع “MGM” وافق، خاصةً أنه كان قد قام ببحثٍ حول الإمبراطور الروماني جوليان في القرن الرابع الميلادي ويستطيع الإفادة منه، ثم مع بدء التصوير استُدعي الكاتب المسرحي كريستوفر فراي والذي اعتبره الكثيرون شكسبير عصره، ليتواجد في موقع التصوير جاهزًا لإعادة كتابة الحوارات وأحيانًا مشاهد كاملة، مما جعله الوحيد بين الكُتّاب الذي ذكره تشارلتون هيستون في خطاب شكره لدى فوزه بالأوسكار. ومن ناحية المنتجين أرسلوا بين هيكت أيضًا لموقع التصوير للعمل على الحوارات دون أن تصل نتائج عمله إلى النسخة النهائية.

هذه الرواية الناتجة عن تقاطع العديد من الروايات والتي لم تكن ما وصلت إليه نقابة الكتّاب الأمريكية فلم تعتمد إلا تونبرغ كاتبًا وحيدًا للنص، الأمر الذي أثار غضب وايلر فأوصل روايته حول إسهامات الكتّاب الآخرين للصحافة مثيرًا جدلًا يُعتقد أنه السبب الأبرز لكون ترشيح الفيلم لأوسكار أفضل نص هو الوحيد الذي لم يُتوّج بفوز. ويُروى أن أربعين مسودةً كُتِبت خلال كل تلك الإعادات.

لم ينتظر زيمباليست خلال كل ذاك الوقت، بل عهد لـ هنري هينيغسون، ويليام أ. هورنينغ وإدوارد كارفاغنو بتصميم الإنتاج منذ بداية تعيينه منتجًا، وبعد خمس سنوات من البحث التاريخي حول عصر القصة بدؤوا ببناء المواقع عام 1956 في استوديو شينشيتا في إيطاليا بعد رفض حكومة ليبيا السماح لهم بالتصوير في صحرائها كون موضوع الفيلم يخص المسيحية، والرفض ذاته أتى من إسرائيل حين طلبهم التصوير في القدس.

بلغ عدد المواقع 300 انتشرت على امتداد 60 هكتارًا واستغرقت 14 شهرًا من العمل، مستهلكةً 40 ألف قدم مربع من الخشب، أكثر من 450 ألف كيلوغرامًا من الجص، وقُرابة 250 ميل من الأنابيب المعدنية، الكثيرُ منها استُعمل في بناء موقع للقدس امتد لنصف ميل متحرّيين الدقة التاريخية.

فيتوريو غاسمان، مونتغومري كليفت، توني كرتيس، سيزار دونوفا، فان جونسون، إدموند بردوم، بول نيومان، برت لانكاستر، وروك هودسون كانوا من مُرشّحي دور جوداه بين-هور، بينهم من لم يجد فيه وايلر بطله كبعض الممثلين الطليان، وبينهم من رفض كـ نيومان الذي خرج منذ وقتٍ قريب من تجربةٍ مشابهة لم تكن بتلك المتعة، لانكاستر الذي وجد النص مملًّا وشبه تبشيريّ خاصّةً أنه ملحد، وهودسون لصالح بطولة فيلم “Farewell to Arm”، حتى استقر الأمر على تشارلتون هيستون الذي رُشّح لدور ميسالا بدايةً، وكان هو من أوصى بـ هايا هاراريت لدور إستر الذي رُشّحت له آفا غاردنر وبيير أنغلي.

كما رُشّح ستيوارت غرانغر، ليزلي نيلسن، روبرت رايان، وكيرك دوغلاس لدور ميسالا ورفض الأخير لإعجابه بدور بين-هور وعدم نيته تمثيل دورٍ ثانويٍّ شرّير، وبذهاب الدور لـ هيستون قرّر دوغلاس البحث عن ملحمته الخاصّة التي سينافس بها ملحمة وايلر وكانت ” Spartacus”، وذهب الدور في النهاية لـ ستيفين بويد الذي أخذ الأمر بجدية لدرجة إطلاقه لحيته من أجل الدور ليكتشف فيما بعد أن هذه لم تكن الموضة الرومانية في ذاك العصر.

ولن تكون هذه آخر المفاجآت، فسيكتشف هو والجميع لاحقًا أن سمعة ويليام وايلر كمخرجٍ وجد مكانته الاستثنائية في تاريخ السينما لا تعني على الإطلاق أنه شخصٌ لطيف المعشر، فمثلًا، حين بدأت ميزانية الفيلم تخرج عن السيطرة ووصلت من 7 ملايين في البداية إلى أكثر من 15 مليون لدى بدء التصوير، جاء رئيس “MGM” جوزيف فوغل إلى وايلر وشرح له حساسية الأمر وسأله فيما إذا كان يمكنه فعل أي شيء حيال ذلك، ليجيب وايلر: “لا، شكرًا لك.”، ويذهب فوغل في رحلة عمل لخمسة أسابيع ثم يعود إلى موقع التصوير ليجد وايلر يعيد تصوير المشهد ذاته الذي كان يصوره عندما زاره أول مرة، جاهلًا إن كان وايلر بالفعل يقوم بالإعادات للمشهد ذاته خلال كل تلك الفترة.

ولا يمكن معرفة ذلك على وجه التأكيد، لكن مما لا شك فيه أن إعادات وايلر لم تكن اعتيادية، هيستون شاهدٌ على ذلك، ففي لقطة دخول بين-هور إلى منزله بعد طول غياب تمت الإعادة لثماني مرات قبل أن يسأل هيستون عن السبب، ليشرح له وايلر كيف أنه أُعجب بركل هيستون لقطعة فخّار لدى دخوله لتكون هذه الركلة الصوت الوحيد في اللقطة لكنه أرادها أكثر كمالًا، بينما ظن هيستون أن هذا ما لم يعجب وايلر فتفادى تكرار الأمر.

عن نهج وايلر في صناعة الفيلم وغِنى وصرامة تفاصيله، مشاركة هيستون في الحوارات وموقف وايلر منها وموقف هيستون من أسلوب تعامُل وايلر مع فريقه، رؤية وايلر لمحور الفيلم الحقيقي، نتائج حرصه على مصداقية الأثر، تواصله مع ديفيد لين طلبًا للمساعدة والنتيجة، صنع المتوالية التي عُدّت أفضل متوالية أكشن وُضِعت على شريط سينمائي على الإطلاق، معركة البحر، موسيقى ميكلوش روجا، تقدير المنتجين لـ إرث الفيلم، ورؤية هيستون لحقبة الملاحم التي كان له منها نصيب الأسد وما أمكن أن تكونه إن تبادل اسمين الأمكنة أحدهما وايلر سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Ben-Hur .