The Spirit of the Beehive

“من يصنع فيلمًا كهذا لا يموت!”

السنة 1973
تقييم أفلام أند مور 9.5/10
المخرج فيكتور إريثه
المدة 95 دقيقة (ساعة و35 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) Unrated
اللغة الإسبانية
تقييم IMDB 8.0

سألني صديقٌ مرّة: “هل ترى السينما حاجةً بشرية؟”، وهذا الفيلم جواب سؤاله، فيلمٌ ينفض غبار الزمن عن روحك حتى تعود روح طفل، وما أن ينتهي تُمزِّق قلبك معرفة أن روحًا كتلك لا تصلح لسكنى جسدٍ كجسدك بعقلٍ كعقلك، إلا خلاله، وتتأكد أنك بحاجةٍ للسينما، لهذا الفيلم على الأقل.

في أحد القرى الإسبانية عام 1940 بعد نهاية الحرب الأهلية وتولي الدكتاتور فرانشيسكو فرانكو السلطة، يصل فيلم “Frankenstein” لـ جيمس ويل إلى دار عرض القرية، مشعلًا الفضول والحماس في نفوس صغارها، ومن بينهم الطفلة ذات السبع سنوات آنا (آنا تورنت)، جاهلةً أن فضولها سيقودها لتجربة رعبٍ وألمٍ يصعب فهمه ستغير حياتها.

كتب فيكتور إريثه وآنجل فيرنانديز سانتوس نص الفيلم بناءً على قصتهما، بالاشتراك مع فرانشيسكو خ. كيريخيتا، كمجموعةٍ من التفاصيل لا تأتي إلّا من أعماق ذاكرة شاعر، رسائل حبٍّ مجهولة الوجهة، همس ما قبل النوم بين طفلتين، مكانهما السرّي، الفضول الذي تملكنه تجاه عالم الكبار، كذبةٌ على من لا يتقن تمييز الكذب، وصورٌ نسيناها من سحر عالم البراءة، وصورٌ لا تفهمها البراءة، وبتلك التفاصيل يخلقون شخصياتٍ تمثل أمةً وروح عصر.

إخراج فيكتور إريثه يجعل كاميرته عين طفل يوجهها عقل بالغٍ أدرك قيمة ما تراه بعد أن غادر عالمها، ولذلك لا قيد على فضولها ووجهتها، بل استغلالٌ لكل تفصيلٍ في تلك الوجهة لأقصى حد، سواءً كان حسّيًّا جماليًّا تكفي عين الطفل للمس مواطن جماله وسحر ألوانه التي تشبه ما تراه حين تنظر إلى شمس الغروب عبر قطرةٍ من العسل، أو حسّيًّا فكريًّا يحتاج العقل الذي يوجهها، دومًا يكون الحس وسيلة كليهما إليك، والذي لا يلبث أن يخيبك حين تظن أنه بلغ أقصاه، فيرهق قلبك المتعلق بـ آنا، ويجعلها تعود بك إلى بلاد العجائب، إلى حيث العجائب تكون عجائبًا لأنها تحدت معرفة طفلة، مستعينةً بسلطة خيالها التي لا تفوقها حينها سلطة، إلا سلطة صور إريثه عليك، والتي لا يمكن أن تخطئ طريقها إلى ذاكرتك.

أداء عظيم من أفضل ما ظهر على شاشة السينما لطفل من الطفلة آنا تورنت، استطاع إريثه الحصول عليه بأن لا يجعلها تمثّل، فتركها ومن حولها أمام الكاميرا وخلفها بأسمائهم، وبدل أن يخبرها بما يجب أن تعيشه جعلها تعيش ما نشاهد بالفعل، ليضع بالنتيجة روح البراءة على شريط سينمائي ويخلّدها ويخلُد به، وأداءات تنسى وجود الكاميرا كذلك من باقي فريق العمل.

تصوير خالد من لويس كوادرادو الذي كان يفقد بصره خلال عمله على الفيلم، لينتحر بعد إصابته بالعمى الكامل ببضع سنوات في عام 1980، ومشاهدة هذا الفيلم تجعل من السهل فهم قراره المأساوي ذاك، فكيف لرجلٍ يملك عينين تبصر الجمال بهذه الدقة والشاعرية أن يعيش دونهما؟..

موسيقى لا يمكن تخيل أنه من الممكن أن يكون لويس دو بابلو أتى بها إلا بعد مشاهدة الفيلم، لابد أن يكون مصدرها هذه الصور، ولابد أنها وجدت لتصاحبها كونها على قدر سحرها.

حاز على سبع جوائز أهمها الصدفة الذهبية في مهرجان سان سيباستيان، ورشح لجائزة أخرى.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم ليصل أثر كل لحظةٍ أقصاه حين تأتي في وقتها المناسب.

Das Boot

“شاهده وقد شهدت الحرب!”

السنة 1981
تقييم أفلام أند مور 9.5/10
المخرج فولفغانغ بيترسن
المدة 209 دقيقة (ثلاث ساعات و29 دقيقة) (نسخة المخرج)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عري وعنف
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الألمانية
تقييم IMDB 8.4

نجاح هذا الفيلم الكبير في وقت إصداره دليلٌ على أن اعتبار الواقعية والاهتمام بالشخصيات أمورًا مملة، والميل نحو القفزات في الأحداث والشخصيات المسطحة والابتزاز العاطفي، هما نتيجة لتوجه الاستديوهات نحو زرعها في المشاهدين، وليس استجابةً للمشاهدين كما يبررونها عادةً، فهنا لا يخشى الألماني فولفغانغ بيترسن من ألا يكون أبطال فيلمه أبطال حرب، وإنما جنودًا حقيقيين فيها.

خلال الحرب العالمية الثانية وفي وقتٍ لم تكن فيه أعماق البحار مركز قوةٍ للألمان، فلم يعد من أكثر من 40 ألف جنديٍّ أطلقوا في الغواصات إلا 10 آلاف، يروي الفيلم ما يمر به جنود أحد غواصاتهم من لحظة انطلاقهم من الميناء، ما تمر به أنت معهم.

عن رواية لوتار ج. بوخايم كتب فولفغانغ بيترسن نص الفيلم، واضعًا شخصياته وواقعيتها على رأس أولوياته، وعبرها يخلق الإثارة، وعبرها مجتمعةً يخلق أثرًا حسيًّا حقيقيًّا أتى من شيءٍ حدث أو قد يحدث، وليس من شيءٍ مكانه الوحيد شاشات السينما أو التلفزيون، وأقصد بمجتمعةً أنه لا يروي قصة فردٍ محدّدٍ أو أفرادٍ محدّدين، هؤلاء بكل بساطة جنود حرب، سواءً أجبروا عليها أم لم يجبروا، آمنوا بها أم لم يؤمنوا، عرفوا ماهيتها أم لم يعرفوا، ملكوا أحباءً أم لم يملكوا، رجالًا، شبّانًا أم فتيانًا، ليسوا رسلًا للإنسانية، ولا عكس ذلك، باختصار، أناسٌ نعرفهم فينا أو فيمن حولنا، وهنا نشاهدهم وسط الحرب، أو عبرها، بكلماتهم، وانفعالاتهم وتطورها على اختلافها واجتماعها.

إخراج فولفغانغ بيترسن حابسٌ للأنفاس، وضع سقفًا للنوع لم يتجاوزه أو حتى يشاركه فيه عملٌ آخر منذ صدوره قبل قرابة 35 عامًا، وحتى اليوم بكل ما حصل من ثوراتٍ تقنية، مذ قررت مشاهدة فيلمه أصبحتَ جنديًّا في تلك الغواصة، جنديًّا وليس ضيفًا على متنها تراقب ما يجري، فالمساحات الضيقة داخلها تجعل حتى ما لا يصيبك ويصيب فقط من حولك معديًا بسرعةٍ رهيبة، فتصبح منهم، وتصبح كلمة “إنذار” تضخ الأدرينالين في عروقك بقوةٍ تكاد تفجرها، خاصةً مع دراسةٍ مبهرة لحركة ممثليه ضمن تلك المساحات، لا يترك فيها أي مجالٍ للخطأ، يجعلك ككاميرته مترقبًا لا تعلم متى تستقر مكانك ومتى تجري بجنون، مجرد منتظر، أو ثائرٍ على ذاك الانتظار، مما يجعل أثر أقل تغيرٍ في حالة تلك الغواصة عظيمًا، كشق طريقها إلى السطح، وهبوطها إلى الأعماق وانقباض صدرك مع زيادة العمق، وكون كل حسٍّ ينقله ينقله عبر شخصياته وكونك منهم أبدع في إدارة ممثليه والمرور بهم عبر الممرات والمقصورات الضيقة مستغلًّا تميز كلٍّ منهم.

أداءات ممتازة من فريق العمل وخاصةً كلاوس فينمان، تصوير إعجازي من يوست فاكانو نال عنه آخر تكريمٍ بعد ثلاثين عامًا من صدور الفيلم، فلا مؤثرات بصرية، ولا جدران متحركة، ولا وزنًا للكاميرا أو مثبتاتٍ له تساعد على حملها والجري بها كما يُحمل سلاح الحرب، ورشاقةٌ مبهرة في حركة الكاميرا ودقة في استخدام الإضاءة لاستغلال تفاصيل المكان وملامح من فيه تزيد استحواذ حالك الفيلم وواقعيته عليك رغم كل هذا، مع موسيقى تليق بالتجربة من كلاوس دولدينر ويضيف كلٌ منهما للآخر فيصبح سماعها مهيبًا.

حاز على 13 جائزة، ورشح لـ11 أخرى أهمها ستة أوسكارات لأفضل إخراج، نص، تصوير، صوت، مونتاج، ومؤثرات صوتية.

تريلر الفيلم:

Youth

“يعزف على أوتار قلبك لحن الحياة..”

السنة 2015
تقييم أفلام أند مور 9.5/10
المخرج باولو سورنتينو
المدة 123 دقيقة (ساعتين)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والمشاهد الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.5

هذا أحد الأفلام التي ترغب بعد مشاهدتها بمقابلة كل من كان سبباً في وصولها إليك كما وصلت لتشكره، فقط لتشكره وتجعله يعلم أنه ملكَ أثراً لا يقاسمه فيه أحد في حياتك،  في حياتك السينمائية على الأقل..

“فريد بالينجر”(مايكل كين) موسيقار ومايسترو متقاعد يقضي عطلته المعتادة في فندقه المعتاد في جبال الألب في سويسرا، برفقة ابنته “لينا”(رايتشيل ويز) وصديق عمره المخرج الذي يعد آخر أفلامه “ميك”(هارفي كيتل)، حيث تصله دعوةٌ من الملكة إليزابيث الثانية ليقود الأوركسترا في حفل زفاف ابنها لعزف أشهر مؤلفاته الموسيقية.

كتب الإيطالي المبدع “باولو سورنتينو” نص الفيلم، وكأنه بناه على ملاحظاتٍ كتبها في مفكرةٍ ما لم تفارقه منذ اقتناها في أحد آخر أيام طفولته، فيها ملاحظةٌ عن كل مرةٍ داعب قلبه فيها حِسٌّ فريد أطلق في ذهنه فكرةً عنه أم لم يطلق، فالفكرة سيأتي أوانها عاجلاً أم آجلاً، كما حصل هنا، أتى أوان التأمل في كل ما دوَّنه، وتحويله مفكرته تلك إلى آلةٍ زمنية، يستطيع من خلالها التأمل في الحياة ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ماهيتها وما استحق فيها أن تكون، ليشاركنا ما رآه، ويفعل ذلك عن طريق شخصياتٍ منتقاةٍ بعنايةٍ شديدة لتكون بمستوىً من الغنى يجعلها قادرةً على أن تروي بمجموعها قصة الحياة، ليخلق من تلاقيها وحواراتها العبقرية تفاصيل تلك القصة التي تجعلها مستحقةً لاسمها. قد تظن أن هذا يحتاج لأكثر مما يتسع له فيلمٌ وواحد، وهذا صحيح في الحالة العامة، و”سورنتينو” حالةٌ خاصة.

إخراج “باولو سورنتينو” يضيف إلى حوارات نصه حواراً بصرياً يوازيها عبقريةً وسحراً، حوارٌ مباشر مع روح المشاهد، لكنه لا يخلق به ازدحاماً وضجة لكثرة المتحاورين، فهو كبطله المايسترو يقود عناصر فيلمه كما تُقاد الأوركسترا ليخلق تناغماً وسحراً استثنائيين، وبتنقلاته في إيقاع العزف وعدد الآلات التي تعزف يعبر إلى قلبك وعقلك من كل باب، ودون شك إلى ذاكرتك، ليجعلك تعيش حالةً لا يمكن وصفها بدقة أو حتى بما يقارب الدقة، يمكنك فقط ان تعيشها، فلا يتلاقى الزمن والفقد والحب والألم والذاكرة كثيراً لتستطيع توصيف ما يخلقه اجتماعهم، فكيف و”سورنتينو” يضم إلى ذلك الاجتماع كلما مرت بضع دقائق من الفيلم شيئاً جديداً، يخلقه باهتمام عظيم بممثليه إلى جانب كل ما سبق، ليقدم كلاسيكية أوركسترا سينمائية.

أداء تاريخي من “مايكل كين” يشعرك أن “سورنتينو” استوحى شخصية بطله في الأصل من ملامحه، مهيبٌ حين يتكلم بقدر مهابة صمته، آسر، حقيقي وصادق، وهو بلا شك الأداء الذكوري الأفضل لعام 2015، أداء في كثافة ما تقوله ملامح صاحبته “رايتشيل ويز” ما يكفي لفيلمٍ كامل، وإبداع من “هارفي كيتل” “بول دانو” و”جين فوندا” في ظهورها القصير الرائع إلى جانب أداءات ممتازة من باقي فريق العمل تجعل فريق تمثيل الفيلم من بين الأفضل هذا العام إن لم يكن الأفضل.

تصويرٌ كان أحد أهم خطوات العمل نحو الكمال من “لوكا بيجازي”، وموسيقا أكثر وصف يمكن أن ينصف جمالها هو أنها تليق بالصورة من “ديفيد لانغ”.

حاز على 11 جائزة أهمها جائزة أفضل فيلم ومخرج وممثل “مايكل كين” في مهرجان توزيع جوائز الفيلم الأوروبي، ورشح لـ28 أخرى أهمها أوسكار أفضل أغنية أصلية والسعفة الذهبية في مهرجان كان.

شكراً لكل من ذكرت أسماءهم وكل من لم أذكر أسماءهم وساهموا بأي شكلٍ في صناعة هذه التحفة.

تريلر الفيلم:

Victoria

“ثلاث محاولات لخلق المعجزة!”

السنة 2015
تقييم أفلام أند مور 9.5/10
المخرج سيباستيان شيبر
المدة 138 دقيقة (ساعتين و18 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من إيحاءات جنسية صريحة وعنف
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة الألمانية

وعد المخرج الألماني سيباستيان شيبر منتجي هذا الفيلم ليوافقوا على تمويله بأنه سيصنعه بالطريقة المعتادة لأفلام الإثارة باللقطات المركبة المأخوذة من عدة زوايا إن لم ينجح في مسعاه الأساسي، وهو تصوير الفيلم كاملًا بلقطة واحدة وكاميرة واحدة، لكنه لم يفِ بوعده، أو لم يُمنح الفرصة لاختبار مدى وفائه بوعوده، فقد نجح، حقق المعجزة التي لم تستقبل كبرى المهرجانات السينمائية فيلمه لعدم تصديقهم بأن هناك من هو قادر على تحقيقها، لكن هل يكفي ذلك؟، لا، هل في محتوى تلك اللقطة ما يستحق؟، هذا سؤالٌ ماكرٌ غايته مبهمة، فإذا كان سائله يريد فصل محتوى تلك اللقطة عن عظمة إنجاز تحقيقها بشكلٍ كامل لم يكن لسؤاله هذا أهميةٌ تذكر ولم يكن هناك حاجةٌ لإجابته، هذا عملٌ سينمائيٌّ متكامل، وإن كنا في أغلب الأحيان نتحسر لأننا لم نعاصر حقبًا سينمائيةً أقدم وأغنى فسيجعل هذا الفيلم كما هو بشكله ومحتواه السعادة تغمرك لأنك عاصرت زمنه!

فيكتوريا (لايا كوستا) فتاةٌ إسبانية انتقلت حديثًا إلى برلين تقابل في إحدى النوادي الليلية شابًّا لطيفًا سوني (فريديريك لاو)  تجد نفسها مرتاحةٌ بصحبته وصحبة أصدقائه، لكن ما بدأ كسهرة لهو يتحول إلى تجربةٍ خطرة ستغير حياتهم إلى الأبد.

كتب سيباستيان شيبر، أوليفيا نيرغارد-هولم، وآيك فريديريك شولز نص الفيلم، وساعدهم أبطاله في كتابة حواراته، ليس على الورق، بل أمام الكاميرا، بأن يرتجلوه حسب الموقف، لكن كيف يمكنهم الاعتماد على الارتجال بهذا الشكل؟، بأن يصيغوا شخصياتهم وخط سير قصتهم بدرجة من الواقعية تجعل من الصعب جدًّا تمييز المُرتجل والمكتوب بشكل مسبق، كلاهما حقيقي وواقعي ووليد الموقف، كذلك تطور الشخصيات الذكي الذي يتركك مع الكثير من الأسئلة المؤلمة والمخيفة عن نفسك وعمن حولك.

إخراج سيباستيان شيبر يكفيه شرفًا إقناع فريق عمله بالإقدام على هذه التجربة الجنونية، لكن بعد أن تعيش تلك التجربة ستدرك أن إقناعهم كان أسهل مما تتخيل، فلا شك أن شيبر كان لديه أكثر بكثير من مجرد جملة “لأن أحدًا لم يفعلها من قبل بهذا الشكل!” كجواب لسؤال “لماذا؟”، يكفي أن يقول لهم أنهم لن يكونوا وحدهم، كل مشاهدٍ للفيلم معهم، أنت شخصيةٌ في هذا الفيلم وشريكٌ لأبطاله فيما يفعلون يسرك ما يسرهم ويسوؤك ما يسوؤهم، ويصل الأمر أن تنقطع أنفاسك حين تنقطع أنفاسهم ولو للحظات، وفي سبيل تحقيق ذلك لن يرفضوا حتى المحاولة مرة واثنتين وثلاثة، نعم ما تشاهده هنا هو المحاولة الثالثة والأخيرة والتي جعلت حلمهم حقيقة، المحاولة التي وصلوا فيها إلى الكمال، وهم فيها مجموعة شبابٍ يلهون بحرية، وممثلون مقيدون بمجال حركةٍ معين ضمن إطار الصورة وخط سيرٍ معين طوال مدة الفيلم، والجهد الجبار الذي بذله شيبر في إدارة هؤلاء الممثلين تنسينا وتنسيهم أنهم يمثلون وتجعلهم فقط الشباب الذين يلهون بحرية تلاحقهم كاميرا شيبر طمعًا باللهو معهم!

في حديثي عن الاداءات سأقتبس جملةً قالها أحد الخارجين من صالة عرض الفيلم:” يا ترى حين ينتهي دور أحدهم ويصبح خارج إطار الصورة هل يعود لطبيعته أم يبقى ملازمًا لشخصيته حتى يعلن المخرج نهاية الفيلم؟!”، الأداءات كانت بهذا المستوى وخاصةً من لايا كوستا وفريديريك لاو الذين ذابت هوياتهم الحقيقية أمام الشخصيتين اللتين حلت روحاهما بجسدي نجمينا.

أما التصوير من النرويجي ستورلا براندث غروفلن فلن أقول عنه أكثر من أنه المسؤول الأول عن جعل هذه التجربة ممكنة، فقط شاهد لتعلم كيف دخل هذا المصور التاريخ وغيَّره!

 

ولن ننسى طبعًا موسيقى نيلس فرام الذي اعتمد البساطة في جعل موسيقاه تصبح والصورة شيئًا واحدًا فكلاهما يستثير الحس ذاته في الوقت ذاته ودون أن تحس بأن أحدهما يساعد الآخر.

حاز على 11 جائزة أهمها الدب الفضي في مهرجان برلين للإسهام الفني الاستثنائي الذي حققه المصور ستورلا براندث غروفلن، ورشح لـ6 أخرى أهمها الدب الذهبي في مهرجان برلين.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأهم أحداثه.

Birdman

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 9.5/10
المخرج أليخاندرو جونزاليز إيناريتو
المدة 119 دقيقة (ساعتين)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

 

“لا يعجب (أليخاندرو جونزاليز إينارتو) السير المتأني نحو مقعده بين النخبة، ملَّ السير وأراد أن يحلِّق!”

من الصعب جداً الحديث عن هذا الفيلم، تتصارع عناصره في بلوغ الكمال بشكل لم نعهد مثله منذ وقت طويل، ويبدو كأن الفكرة قد خطرت لكل أفراد فريق العمل بوقت واحد، فآمن كلٌّ  منهم بها حتى الجنون، وسعى في البحث عمن يشاركه الحلم، وبدل أن يجد من يشاركه وجد من لديه بالفعل الحلم ذاته، حتى اجتمعوا كلهم على هدف واحد كان حلماً قبل اجتماعهم، وشرعوا بتحقيق الحلم، حتى وصلت إلينا هذه المعجزة التي تسأل عن كل مساهم فيها على حدة، فليس هناك من لم يعطي من روحه للعمل ما يجعل دوره فاعلاً مهما صغُر، شكراً “أليخاندرو جونزاليز إينارتو” فأنت الحالم الأكبر، والرجل الطائر الذي حلَّق فوق الجميع ليبلغ مكانه بين النخبة.

“ريجان تومسون”(مايكل كيتون) نجم سينمائي سابق بلغ ذروة نجاحه في بطولته لسلسلة أفلام عن أحد أبطال القصص المصورة”الرجل الطائر” منذ عشرين عاماً، لكن هذه لم تكن فقط بداية نجاح مشواره السينمائي، بل كانت أيضاً نهايته، ومن الصعب أن يعرف أحدٌ اسمه إن لم يُقرن باسم البطل الخارق الذي مثل شخصيته، وإن مضى على الأمر كل ما مضى فلم يستطع النجم تقبل أمر أنه ليس نجماً دون قناعه وجناحيه، وقام بإعداد نص لمسرحية سيقوم بإخراجها وبطولتها لتعرض على مسرح “برودواي”، ومسرحٌ كهذا يقرر جمهوره مصير من يقف عليه لأنه للفن والفنانين فقط، وكل ما دون ذلك فإنه يغامر بالوقوف عليه بمستقبله المهني كاملاً، فهل هو فنان وهل سيقدم فناً؟، صوتٌ ما يعرفه يقول له ما لا يجعله واثقاً من أي شيء، فهل صدق الصوت؟ ومن أين هو آتٍ؟

كتب “أليخاندرو جونزاليز إيناريتو” “نيكولاس جياكوبونيه” “أليكساندر دينيلاريس” و”أرماندو بو” نص الفيلم، باستقلال كامل عن كل ما تم تقديمه حول موضوعه وبأصالة لا تأتي إلا ممن يحترمون السينما وعشاقها، ويحرصون على تقديم ما لا يكون ولاؤهم فيه إلا للفن وحده، يتألق نصهم بشخصيات انفردوا بها وبأسلوب صياغتها، شخصيات لا تعرفها من لقطة أو اثنتين وتنظر باقي الفيلم ليؤكد نظرتك، بل شخصيات تنتظر أن تتعرف إليها أكثر وتدخل لعمق تكوينها أكثر، فقد يأخذك هذا العمق لمكان مرتبطٍ بك، أو ربما مكانٍ قد لا تعرف عنه الكثير لكن يثيرك استكشافه وفهمه، والأحداث التي تتبعها خلال هذا الاستكشاف مكتوبة بدقة وحس وانسيابية لا تبث فيها الحياة إلا كاميرا “إيناريتو” وحده.

إخراج “إيناريتو” ينسيك متى بدأت الرحلة ولا يترك لك لحظةً تسأل فيها عن مدى قرب نهايتها، بل يجعلك تتمنى أن لا تصل أبداً إلى تلك النهاية، ليس لديه انتقال ملموس بين حدث وآخر، ليس لديه زمن واضح للحدث، لكن لديه سحر تكوين الحدث، وفيما يبدو سيراً مستقيماً من بداية لنهاية، يجعلك تدرك شيئاً فشيئاً أن اعتبارك لهذا السير مستقيماً كاعتبار الأرض مسطحة، وإن لم تستطع أن ترسم بعقلك الشكل البسيط المعتاد للبدايات والنهايات، فإن إحساسك يدركها كاملةً ويُسحر بها، وكل هذا بتوجيه جبار لفريق ممثلين جبار ليبلغ ما قرر أن يبلغه حين كتب أول حرف في النص، الكمال!

أداءات رائعة من “مايكل كيتون” “إدواد نورتون” “نايومي واتس” و”إيما ستون” تتنافس في إتقانها وحسها العالي وكأنها في حلبة صراع رومانية قديمة لا يخرج منها حياً إلا المنتصر، تصوير “إيمانيويل لوبيزكي” هو ركنٌ لا يقوم الفيلم دونه، فإن لم يكن الخيار الأول والوحيد لدى “إينارتو” حين كتب النص فقد كان حين قرر إخراجه بالشكل الذي شاهدناه، ليس فقط لبلوغ ما أراده من كمال، بل لأنه أراد صنع فيلمٍ يستحيل تنفيذه إلا بكاميرا “لوبيزكي” الذي قدم طفرةً بصرية في هذا العمل أكمل روعتها وسحرها المونتاج من “دوجلاس كرايز” و”ستيفين ميريوني”، وموسيقى “أنتونيو سانشيز” تقدم إبداعاً يليق بشريط الصورة العظيم يجعل من الصعب جداً تصديق أنها تجربته السينمائية الموسيقية الأولى!

حاز على 139 جائزة أهمها الكرة الذهبية لأفضل ممثل بدور رئيسي “مايكل كيتون” وأفضل نص، ورشح لـ 172 أخرى أهمها 9 أوسكارات لأفضل فيلم وإخراج ونص وممثل بدور رئيسي وممثل وممثلة بأدوار مساعدة “إدوارد نورتون – إيما واتسون” وتصوير ومونتاج صوت ومزج صوت.

تريلر الفيلم:

Saving Private Ryan

السنة 1998
تقييم أفلام أند مور 9.5/10
المخرج ستيفين سبيلبيرغ
المدة 169 دقيقة (ساعتين و49 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين لما فيه من عنف دموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

 

“البيان الحربي السينمائي الأقوى ضد الحرب..”

عملٌ ترى مثله مرة واحدة، لكن لا تكتفي بمشاهدته مرة واحدة، درس في الإنسانية والفن، أحد أقوى دلائل كون السينما حاجة بشرية ما كنا لنشهد دونها إنجازات تاريخية كهذا، الأسطورة “ستيفن سبيلبيرغ” صنع هذا الفيلم ليكون جزءاً من إرثه الذي ستذكره به البشرية ما دامت على قيد الحياة، وكان يعلم أنه يفعل ذلك، كان يعلم أنه يقترب في كل خطوة من مسير صنع الفيلم من الكمال، وأعتقد أننا كلنا نعلم اليوم أن هذا العمل وضع معاييراً عليا لأفلام نوعه لم يصلها فيلم قبله، ولم يصلها فيلم بعده حتى يومنا هذا، بل ووضع مسؤوليةً كبرى على كاهل كل من يرغب بصناعة فيلم حربي وهو يعلم أن فيلماً كهذا ما يزال في الذاكرة، وسيبقى.

بعد إنزالات الحلفاء على شاطئ نورماندي الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية في عام 1944، تم إسناد مهمة من القيادة الأمريكية إلى النقيب “ميلر”(توم هانكس) مفادها العثور على الجندي “جيمس رايان” وإعادته لوطنه سالماً، وذاك لأن إخوته الثلاثة المشتركون في الحرب في أماكن مختلفة قد وصلت برقيات وفاتهم إلى أمهم في نفس اليوم، ولم يبقى لها إلا هو، لكن هذا الجندي تم فقدان أثر كتيبته منذ مدة، ولم يتم تأكيد أسماء الناجين منهم في حال كان بينهم، فهل يستحق احتمال كونه حياً أن يذهب النقيب وفرقته في المهمة ويقابلوا ما قد يقابلونه خلالها؟

كتب النص “روبرت رودات”، لكنه لم يكتبه عن قصة حقيقية، أي أن كل ما أتى به من واقعية إنسانية ملحمية كانت منه بشكل كامل، كانت من روحه ثم قلبه وعقله، كانت لأنه لديه ما يقوله ويعبر عنه، وليس لأنه أحب أن يضيف لتاريخ سينما البطولات الأمريكية فيلماً آخر، ليس لأنه أراد أن يقدم عملاً يشبه شيئاً أحبه، بل ليكون عمله هو الذي سيتطلع إليه فيما بعد كتاب السيناريو ليتعلموا منه كيف الصدق، كيف يقدمون شخصياتهم بشكل تكون فيه أكثر من مجرد شخصيات سينمائية، بشكل تكون فيه أصدق وأقرب، بشكل تكون فيه حقيقية، ويتعلمون كيف يصيغون قصصهم وأحداثها بشكل لا ينهي فيه المشاهد الفيلم وهو يقول “هذا مجرد فيلم”، نص “رودات” لا يترك فرصة لمقولة كهذه.

إخراج “ستيفين سبيلبيرغ” يضيف للأصالة تعريفاً جديداً، الإتقان هنا كان أكثر من مجرد استعراض عضلات، ما صنعه هنا “سبيلبيرغ” ناتج عن إيمان والتزام بقضية، هنا يعطينا فرصة للتعرف على جزء من شخصيته واحترامها، يقدم أحد أهم وأقوى الملاحم السينمائية في التاريخ، ولا يكفيه مشهد أو اثنين يضع فيهما بصمته الاستثنائية، بل هي في كل مكان، مشاهد ولقطات عظيمة تحار في اختيار أفضلها، إدارة جبارة لمواقع التصوير بكل تفاصيلها ودقة حركة الجموع فيها تعلن أنك تشاهد عملاً لواحد من النخبة، توجيهه لممثليه نتج عنه فريق تمثيلي يعتبر البحث فيه عن ضعف مهمةً مستحيلة، وسلاحه الأقوى من كل الأسلحة الموجودة في الفيلم كان الواقعية، السلاح الذي فتك بمعظم أفلام النوع وجعل هذا العمل يتربع على عرشها.

أداءات ممتازة من كافة فريق العمل، وأداء عظيم وتاريخي لـ”توم هانكس” يضاف لمجموعة أدلة موهبة هذا الفنان وقدرته الكبيرة، تصوير “يانوش كامينسكي” في هذا الفيلم هو أحد منعطفات مهنته التاريخية، فكما الجميع يقدم دروساً فيما يفعلون، قدم هو درسه في التصوير السينمائي، مبرزاً لنا كل جزء من إبداع الفيلم البصري بأفضل شكل وأبرع استخدام للنور، موسيقى “جون ويليامز” ترقى رقي جميع عناصر الفيلم الأخرى ولا تقل عنها جودة وأثراً وحساً وصدقاً.

حاز على 75 جائزة أهمها خمس أوسكارات لـ أفضل إخراج وتصوير وصوت ومونتاج ومؤثرات صوتية، ورشح لـ 60 أخرى أهمها ست أوسكارات لأفضل فيلم وممثل بدور رئيسي ونص وتصميم مواقع ومكياج وموسيقى تصويرية.

تريلر الفيلم:

Eternity and A Day

“كم من الوقت قد يستمر الغد؟”

السنة 1998
تقييم أفلام أند مور 9.5/10
المخرج تيودوروس أنجلوبولوس
المدة 137 دقيقة (ساعتين و17 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) Unrated
اللغة اليونانية

هل يمكن للخلود أن يكون خيارًا؟ فقد اختار السينمائي اليوناني العظيم تيودوروس أنجلوبولوس الخلود، وصنع أفلامًا خلقت حروفًا سينمائية لم تكن من قبله ولن تكون بعده، لن أقول الراحل فَلَمْ ولن يرحل، سيعيش أبدًا… سيعيش أبدًا ويوم…

أليكساندر (برونو غانز) شاعر مضت سنين منذ بدأ قصيدته الأخيرة ولم يكملها حتى الآن، أصابه مرض لا شفاء منه إلا الموت، ولم يبق كثيرٌ من الوقت حتى يُشفى، وفي طريقه للرحيل يقابل طفلًا ألبانيًّا وصل لليونان بطريقة غير شرعية ويقرر أن يصحبه إلى وطنه وأهله، لكن لن تكون الرحلة عبر حدود البلدين، الرحلة ستجتاز حدود الزمن، رحلة بين الماضي والحاضر والغد، فباقتراب نهاية الشاعر يفقد الزمن سلطانه عليه، يبقى السلطان الآن للكلمات التي ستأتي بها الرحلة فربما تكمل قصيدته الأخيرة.

أنجلوبولوس عندما تراوده فكرة لا يمكن أن يقول لقد خطر لي كذا وكذا، هو لا يفكر إلا بالصور، وترجمة صور في ذهن أنجلوبولوس لن يتقنها إلا هو، وفي حالة هذا الفيلم أستطيع أن أقول أن الأمر أكبر حتى من مجرد أفكار جالت بذهن أنجلوبولوس، هنا أنجلوبولوس سما بروحه حتى استطاع أن يخاطب أرواحًا لأساطير لم تعد تسكن أجسادها، خاطب الشعراء الذين لم يبقى منهم إلا قصائدهم، تجوَّل بين ذكرياتهم، وبدأ يرى كيف أتت الكلمة من صورة، فماذا رأى الشاعر حتى كتب، وماذا رأى أنجلوبولوس في رحلته بين أساطير الشعراء حتى أتى بفكرة هذا الفيلم وقصته، لدرجة أن توني غويرا وبيتروس ماركاريس لم يستطيعوا أن يقاوموا سحر أفكار أنجلوبولوس وشاركوه الرحلة وكتابة النص، وأتوا بالنتيجة بمجموعة من الكلمات على الورق سَيُخْرِج منها أنجلوبولوس ما سيكون أحد أهم تجاربنا الروحية على الإطلاق.

وأخرج أنجلوبولوس النص قصيدةً سينمائية، ووجد لأرواح الشعراء التائهة جسدًا تسكنه، جسدًا واحدًا، وهو شريط صور هذا الفيلم، تكوينات بصرية ترسم بمجملها اسم أنجلوبولوس وحده وبصمته الاستثنائية التي أضافت لتاريخ السينما ما سَيُبْكِي عشاقها كلما ذُكِرَ اسمه، هو لم يستخدم في حياته مؤثرًا بصريًا واحدًا، كانت رؤاه دومًا تتحول لحقيقة ملموسة أمام كاميرته التي تتحرك بطريقة تحملك شيئًا فشيئًا بعيدًا عن الأرض إلى عالمٍ حلميٍّ تتمنى أن تستقر فيه إلى الأبد، ليست مجرد رؤى، روحه كانت في كل ركن من أركان الصورة، حتى ممثليه حين يقفون أمام كاميرته يقدمون أمامها ما لا يقدمون لغيرها، أنجلوبولوس لم يصنع فيلمًا لمجرد أن تشاهده، صنع فيلمًا يسكنك.

الألماني برونو غانز لم تقف جنسيته ولغته بينه وبين الشخصية التي كتبها أنجلوبولوس، لا يهم مَنْ ومِنْ أين هو، ما يهم ان هذا الشخص هو الشاعر الذي كتب أنجلوبولوس قصة ساعاته الأخيرة، وأصبح هذا الفيلم أحد أهم إنجازات برونو غانز في مسيرته، وكذلك الفرنسية إيزابيل رينو التي علمتنا الحب والغزل، و أداء الطفل الرائع أتشيلياس سكيفيس.

جيورغوس أرفانيتيس وأندرياس سينانوس وتصوير إعجازي يليق بعمل من أنجلوبولوس، إتقان في إحياء كل ما أمام العدسة وإنشاء علاقة روحية معها، وموسيقى من إيليني كاريندرو رفيقة درب سينما أنجلوبولوس ستملك قلبك وتعلمه كيف يدرك أنه قد وقع في الحب…

صنع أنجلوبولوس بهذا العمل فيلمًا لا ينتهي، فيلمًا ذلل الزمن، فما أن بدأ وبدأت الرحلة ستمضي بها 137 دقيقة ثم تمضي هي بك إلى الأبد… الأبد ويوم…

حاز على 10 جوائز أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كان، و رشح لـ 2 أخرى.

تريلر الفيلم:

Boyhood

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 10/10
المخرج ريتشارد لينكلايتر
المدة 165 دقيقة (ساعتين و45 جقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين بسبب الإيحاءات الجنسية الصريحة
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

 

“فيلمٌ أرهقني حبه، وأبكتني ثوانيه الأخيرة … لأنها الأخيرة…”

“ريتشارد لينكلايتر” أثبت مراراً وتكراراً أنه أبرع من يصيغ من حياتنا وكلماتنا فناً خالداً وبكل إخلاص دون أن يوجه كلماتنا لغير غاياتها ودون أن يزيد على قصتنا صراعاً لا نراه إلا على شاشات السينما، وشخص كهذا يوماً ما قرر أن يصنع فلماً عن الطفولة والصِّبا وحتى الشباب، فوجد لفكره حدوداً لم يجدها حين كان يقدم لنا يوماً من كل عشر سنين في حياة عاشقَين، وجد الزمن يقيده، فكسر القيد ومضى بفيلمه عبر الزمن في طريق طوله 12 عاماً.

شخص كهذا وفريقه حين يقدمون على عمل كهذا دون حتى أن يتقاضوا أجراً ودافعهم الوحيد الإيمان بالفن لن تملك إلا أن تنحني لهم احتراماً، هذا الإنجاز ليس إنجازاً قابلاً للمنافسة، هنا التفوق ليس على مستوى التكنولوجيا، هنا التفوق على المستوى الروحي، لن نستطيع أن نبني أهراماً الآن ننافس به أهرامات الفراعنة رغم كل ما لدينا من تطور وقدرات، ولن يستطيع سينمائي أن يأتي بما أتى به “لينكلايتر”، لن يؤمن كما آمن “لينكلايتر” ولن يمضي بإيمانه 12 عاماً متحدياً المستبد الأكبر “الزمن”، هذا الفيلم صبيٌ عمره 12 عاماً وكل عام سنحتفل بميلاده ظناً أنه قد كبُر، فنجده ما زال صبياً، ما زال فتياً وبروحه لم يزل النقاء.

قصة الفلم قد تحتويها جملة بسيطة، وهي قصة “مايسون” منذ أن بلغ السادسة من عمره وحتى بلغ سنه الثامن عشر، ولكن من يستطيع أن يحتوي المعنى الحقيقي لهذه الجملة؟ “ريتشارد لينكلايتر” وفقط هو!

حين أتكلم عن النص الآن لن أحاول أن أثبت أو أنفي عنه أمراً، أنا فقط سأحاول ما استطعت أن أعطي قدسيته حقها، فتخيل أنك تكتب مذكراتك، لكنك لا تدون فيها أحداثاً يومية أو أسبوعية، بل تأتي في يوم ميلادك من كل عام لتسجل بضع كلمات تذكرك بما كسبته هذا العام وبما خسرته، وتخيل أنك حين تكتب تلك المذكرات تكتبها بصدق تام، دون ان تصوِّب خطأك أو خطأ غيرك، دون أن تفعل أي شيء إلا أن تدون واقعاً وحقيقة، تخيل أنك بعد عقد من الزمن تفتح مذكراتك وتقرأ فتجد صورة الكلمات ضبابية في الذاكرة، هنا يأتي “لينكلايتر” إليك مُطَمْئِنَاً ليسلمك نصه مفصلاً ذكرياتك، قد تظن أنها ليست لك، هذا صحيح، ليست لك وحدك، إنها لنا.

ما زالت الصورة ضبابية؟ اطلب من “لينكلايتر” الآن أن يقدم لك شريط الذاكرة مصوراً، أن يخرج لك نصه ويطلعك على الحياة، سلم نفسك له واتركه يصطحبك إلى سرير طفولتك لتجد عليه لعبتك القديمة وبضع كلمات على ورقة أخفيتها تحت وسادتك تثبت أنك قد اختبرت الحب منذ سنين عمرك الأولى، اتركه يأخذك للحظة القبلة الأولى، اتركه يأخذك لتلك اللحظة حين قررت أنك ستمضي بطريق لم يخبرك عنه أبوك بحكمته التي صقلتها سنين عمره الكثيرة، هل صحيحٌ أن نُقرن الحكمة بالعمر؟ أم أنه فات الأوان على هذا السؤال؟، يمكنك أن تعتبر “لينكلايتر” حارس الثقب الدودي الذي سيأخذك من هذه اللحظة وهذا المكان للحظة أخرى ومكان آخر فبإذن منه وحده قد تستطيع الاطلاع على شريط الحياة..

الأداءات لا تفصل شخصيات النص عن ممثليها، الإيمان بالفن الذي جمعهم أسس بينهم روابطاً حقيقية، “باتريشا آركيت” هي فعلاً الأم ولا أعلم كيف ستستحمل فراق ولديها بعد 12 عاماً من الحب، و”إيلار كولترين” ربما سيكتشف يوماً ما أنه في الحقيقة “مايسون”، أما “إيثان هوك” فقد فاقت سنين رحلته مع “لينكلايتر” عمر الفيلم، ولا عجب أنه أحد أركان العمل.

“لي دانييل” يقود آلة الزمن السحرية “الكاميرا” بالتعاون مع “شين ف.كيلي” بشكل لا يبقي بينك وبين شخصيات الفيلم إلا أن يسمعوك إذا ما كلمتهم، مخلداً اللحظة إثر اللحظة والذكرى إثر الذكرى…

كفى.. ملتني الحروف وأنا أستميت لأصيغ منها ما يفي المعجزة حقها وأفشل، سأحاول غداً مرة ثانية، ربما ليس غداً، ربما سيستغرق الأمر مني 12 عاماً من البحث بين الكلمات فلم أتقن بعد لغتي كما أتقن “لينكلايتر” لغته.. لغة السينما…

حاز على 10 جوائز أهمها جائزة نقابة سينما الفن الألمانية وجائزة الدب الفضي لأفضل مخرج في مهرجان برلين، و رشح لـ 5 أخرى.

تريلر الفلم: