أرشيف الوسم: 8/10

Thelma

“الإنسانيّةُ تغزو الرّعب”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج يواكيم ترير
المدة ساعة و56 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعري
الإرشاد العائلي (أميركي)  Not Rated
اللغة النرويجية
تقييم IMDB 7.4

“مبدأي حين أعمل هو أنني أنسى لدى الكتابة أنني المخرج. أحلُم، بسذاجة الطفل بداخلي. وبعد ذلك، وبما أنا عليه من قلة الحيلة، عليَّ أن أجد طريقةً ما لوضع ما كتبتُ على الشاشة. هذه العمليّة يمكن أن تكون معذِّبة، لكنني تعلمت بها الكثير مع هذا الفيلم. من الممتع دومًا صنع صورٍ جديدةٍ بالنسبة لك، هذا أحد أكثر الأجزاء المُجزية في صناعة الأفلام، وهناك الكثير من ذلك في Thelma “، هذا وصفٌ مُلخّص على لسان النرويجي يواكيم ترير لتجربة خوضه في ميدانٍ جديد مع هذا الفيلم. بعد ثلاثة أفلامٍ جمعها عمق الخوض في الحالة الإنسانيّة، يُطل ترير بتجربة إثارةٍ مع لمساتٍ من الرّعب، آخذًا معه إنسانيّته إلى نوعٍ سينمائيٍّ جديد.

لمحة عن قصة Thelma
ثيلما (إيلي هاربو) شابّةٌ تبدأ حياةً جديدة في الجامعة بعيدًا عن والدَيها تروند (إنريك رافايلسن) وأونّي (إلين دوريت بيترسن)، بعدٌ فيزيائيٌّ فقط، فما زالا حاضرَين وتربيتهما الدينيّة في أدنى تفاصيل يومها، مما يجعل انجذابها لفتاةٍ في صفّها بداية صراعات وتداعيات نفسية تتجاوز حدود جسدها.

كتب يواكيم ترير وإسكيل فوغت نص الفيلم، في قالبٍ مألوف من تقاطعات الماضي والحاضر لكشف الغموض، لكن بتميُّز توقيت ومحتوى تلك التقاطعات، وعدم كون غايتها ببساطة واستسهال “كشف الغموض”، يبثان روحًا جديدة في القالب. فهُنا تشغلك الشخصيّات أوّلًا، ثم غموض الأحداث الغرائبيّة التي تصادفها لأن لتلك الأحداث صلةً بمن تكونه تلك الشخصيّات. تشغلُك منذ تقديمها المُثير، وتستمر باكتشاف ما يُقرّبك منها أكثر ويُغريك بما لم يزل خافيًّا عنك. هذا كلُّه حتى نصل إلى الثلث الأخير، المكوّن من قسمَين أولهما غريبٌ عن ترير والفيلم ومكرِّرٍ لجزءٍ مللناه في أفلام الرعب، والثاني حسن الوجهة مضطرب الإعداد لعدم كفاية خلفيّات الأم والأب فيه، الأم تحديدًا.

إخراج يواكيم ترير يجد طريقه بين الأنواع دون عناءٍ ملموس، دراما البلوغ والعائلة وعلاقة الأب بالابنة، التوتّر الجنسي، الإثارة النفسيّة، والظواهر فوق الطبيعيّة. ليست هُناك لحظةٌ يقول لنفسه فيها يكفي من الدراما هُنا ولنفاجئهم بحدثٍ ما. مقدّمًا بالنتيجة متوالياتٍ انتقاليّةٍ ساحرة بين كل محطة سرديّة وأخرى تذوب فيها الأنواع ويبقى الجمالُ وإتقانُ مخاطبة البصر، من تمهيد النوبة الثّانية والنوبة، إلى دار الأوبرا، السيجارة المحشوّة، جلسة الموجات الدماغيّة، الاحتراق حتى الغرق، والانعتاق. صحيحٌ أن ترير يتغلّب على بعض القصور في الثلث الأخير بجمال صوره وحسن إدارته لممثليه، لكن يبقى البعض الآخر حاضرًا.

خاصّةً باختيارٍ خاطئ لـ إنريك رافايلسن لأداء شخصيّة الأب، أو ربّما الاختيار الخاطئ لهيئته، فـ رافايلسن لا يظلم شخصيّته لكنه لا يطبع صورتها في مخيّلتك كما تتوقع من شخصية كهذه، على عكس إيلي هاربو المثاليّة حضورًا والمجتهدة أداءً بما يضيف لإثارة ومتعة التجربة، وكايا ويلكنز المتميّزة في دور آنيا. في حين يجد تصوير ياكوب إيريه مكانه بين عناصر الفيلم المميزة، ويُقدّم أُولا فلوتوم موسيقى مناسبة.

حاز على 5 جوائز ورُشّح لـ 18 أُخرى.

تريلر Thelma

The Killing of a Sacred Deer

“الجرّاحُ دومًا هو المسؤولُ عن النتيجة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج يورغوس لانثيموس
المدة ساعتين
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعنف دموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 7.7

الصدمة، هذا الأثر الذي يجتمع على اختباره محبو وكارهو أفلام اليوناني يورغوس لانثيموس، ومن هُنا يبدأ الانقسام حول جدوى هذه الصدمة، جدوى التطرّف في القسوة والدمويّة بشكل رئيسي، مما يخلق فريقَين رئيسيّين في جمهور هذه الأفلام، المقتنع بأهمّيّة القسوة ضمن السياق، والذي لا يجد لها مبرّرًا كافيًا. يتفرّع من كلّ فريقٍ ثلاثة، من يرى أن لانثيموس يمتلك أفكارًا وأسلوبًا مثيرَين، من يرى أنه لا يقدّم جديدًا على صعيد الأفكار لكنه يمتلك أسلوبًا يجعلها أكثر تأثيرًا، ومن لا يستطيع التواصل مع أسلوبه أساسًا. بالنسبة لهذا الفيلم فلا حل هنا لمشكلة القسوة، لكن استناده إلى تراجيديا إغريقيّة يصعب إيجاد من لا تثير اهتمامه وتؤثر فيه قد يقدم حلًّا جزئيًّا لمشكلة التواصل ويُقرّبك بعض الشيء إلى عالم لانثيموس، أما إن لم تكن غريبًا عن هذا العالم وأحببت جولاتك فيه حتى الآن فمن الجُرم تفويت هذا الفيلم.

لمحة عن قصة The Killing of a Sacred Deer
ستيفن (كولين فاريل) جرّاحُ قلبٍ ينعُم بحياةٍ مستقرّة  مع زوجته آنا (نيكول كيدمان) طبيبة العيون، وولديه كيم (رافي كاسيدي) وبوب (سَني سولجيك). تجمعه علاقة وصاية غريبة بـ مارتن (باري كيوان) المراهق يتيم الأب، تتطوّر في وقتٍ قصير إلى مصدر خطرٍ لا مهرب منه على حياته وحياة أسرته.

كتب يورغوس لانثيموس وإفثيميس فيليبّو نص الفيلم، بأفضل تقديم ممكن للشخصيّات، وكأنك رافقت أبطالهم في مجرّد يومٍ آخر لا يومٍ معدٍّ لتعرف عنهم أكثر، وفي أكثر نشاطات هذا اليوم روتينيةً واعتياديّة يمكنك بسهولة أن تقف على أول طريق معرفة ما يميز كلًّا منهم وما يميّز علاقاتهم، طريقٌ يزيد إثارةً مع كل خطوة، ثم تصبح وجهته أكثر ضبابيّةً وسوداويّةً مما تخيَّلته بعد منعطفٍ عبقريّ التوقيت، يتداخل بنتيجته العقل والجنون في تطوّرات الشخصيّات المرصودة بدقّة جرّاح، خاصّةً مع الحوارات الماكرة الذكيّة غير الحاملة لشيء تقريبًا في كلماتها والحاملة لمفاصلٍ سرديّة في توقيتها ضمن السياق. لكن للأسف تتوه وسط كل هذا شخصيّة آنا التي كانت قلب الفيلم بعدم استغلالها كما يجب وبقاء تفاصيل رحلتها العديدة مثيرةً للتأمُّل دون إشباع.

إخراج يورغوس لانثيموس يُدخلُك في الأجواء السوداويّة القاسية التي لا تعترف بحدود منذ البداية بافتتاحيّته الاستثنائيّة، ثم يمضي مع أبطاله بزوايا كاميرته الغريبة والمثيرة بشكلٍ يُجبرك على الانتباه لتفاصيل ما ترصده تلك الكاميرا بحركتها الغريبة، المحدّدة، والمُهيبة، مُسرعًا بترسيخ إحساسٍ بعدم الرّاحة يستمر بتدعيمه بهدوءٍ غالبًا، وبقفزاتٍ مؤلمة أحيانًا تُضيّق مساحة التأمُل والتحليل لسيطرة الضغط النفسي والتوتّر. وسط كل هذا هناك خيارٌ غريب لم يكن لالتزام لانثيموس به من قبل هذا الأثر المضطرب، وهو طريقة تعامل شخصياتهم مع بعضهم وتعبيرهم عما بداخلهم وورود أحاديثهم، الغرائبيّة والجافّة، ففي The Lobster مثلًا كانت الأحداث تجري في عالمٍ موازٍ إن صح التعبير، أما استمرار الطريقة نفسها هُنا يجعل من الصعب معرفة هل حضورها لمسة لانثيموسيّة أم تعليقٌ إجتماعيّ. في الحالتين لا يبدو أنها لصالح الفيلم، ففي الأولى تكون النتيجة تشويشًا لا حاجة إليه وسط الرمزيّات غير القليلة، وفي الثانية تُصبح مباشرةً في تقديم الشخصيات غير متناسبة مع ما تبقّى من الفيلم، خاصّةً أن السماح لاستثناءٍ كشخصيّة آنا بغزوها دون الإفادة من هذا الاستثناء يُغيّب أي غاية مُستحِقّة أُخرى.

أداءَين استثنائيَّين من باري كيوان الذي يُكسِب حضوره إثارةً مميّزة تستمر بالتطوّر، ونيكول كيدمان التي كانت القلب المُهمَل للفيلم بغنًى عاطفيٍّ مضبوط لا يجعلها غريبةً عمّن وما حولَها لكن ربما أقل شبهًا بهم، مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل، تصوير مُتقَن محسوب الإطار الواسع والحركة من ثيميوس باكاتاكيس، وموسيقى ذكيّة تُدعِّم الحالة ولا تُرشِد لأثر.

حاز على جائزتَين أهمهما جائزة أفضل نص في مهرجان كانّ، ورُشّح لـ19 أُخرى أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كانّ.

تريلر The Killing of a Sacred Deer

Blade of the Immortal

“دمويّةٌ تروي حتى المشتاق لـ تارانتينو”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج تاكاشي ميكِه
المدة ساعتين وثلث
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة اليابانية
تقييم IMDB 7.3

بدأ الياباني تاكاشي ميكِه مسيرته كمساعد مخرج، ودون أن تكون غايته أن يصبح مخرجًا على عكس من يعملون في مكانه عادةً، لكنه كان كمهاجم الاحتياط الذي يُلجأ إليه عند الحاجة، وحين حدث ذلك كان الناتج مُغريًا للاستعانة به مرّة أخرى ثم أخرى، مما بدأ مسيرةً بلغت مع هذا الفيلم مئة عملٍ إخراجيٍّ بين الفيديو والتلفزيون و61 فيلمًا سينمائيًّا، وفي حين تستثير أغلب قوائم أفضل 10 أفلام للمخرج فلان سؤال: “وكم فيلمًا قد صنع أساسًا؟!”. في حالة ميكِه ستكون هذه القائمة أول ما تبحث عنه عندما ترى على غلاف هذا الفيلم إعلانه أنه المئة لمخرجه، والذي يُشكّل مرشّحًا قويًّا لقائمة أفضل أعمال المخرج المئويّ.

لمحة عن قصة Blade of the Immortal
مانجي (تاكويا كيمورا) سامورايٌ قتل سيّده، فقد أخته على طريق هروبه، وغطّى الأرض بدماء مطارديه في معركةٍ أسطوريّة أراد فيها نهايته بعد كُلِّ ما فقد، فلُعِنَ بسببها بالخلود. بعد خمسة عقود تلجأ إليه فتاةٌ صغيرة باحثةً عن ثأرٍ لا يهمُّها ما تقابله على طريقه، مانحةً لخلوده سببًا بعد كل هذه السنين.

عن رواية المانغا لـ هيرواكي سامورا التي نُشِرَت عبر عشرين عامًا مُقسّمةً على ثلاثين مُجلّدًا، كتب تيتسويا أويشي نص الفيلم، وطبعًا مُهمّةٌ كهذه في المرور على ثلاثين مجلّدًا ذهابًا وإيابًا للخروج بنص فيلمٍ واحد لا يُحسد عليها أويشي ولا يُلام على القصور فيها كما يُمكن أن يُلام في الحالة العامة، فمن شبه المستحيل تقدير صعوبة المحافظة على فصل وجهة نظره كقارئٍ وشبه حافظ للمانغا الأصليّة خلال فترة عمله عليها عن وجهة نظر المشاهد الذي لا يعرف الأصل، الفصل الذي يُنتِج كلُّ غيابٍ له خطًّا ثانويًّا إما على بعد خطواتٍ أو أكثر من الإشباع، أو غريبٌ عن نسيج الأحداث يصعُب فهم سبب تضمينه. لكن هذه الخطوط بقيت هُنا في حدّها الأدنى المقبول، خاصةً بغنى ما تبقّى حولها من الشخصيّات تقديمًا ودوافعًا، ومن المواجهات المنتقاة من رحلة المحارب الملعون، وإن لم يكن هذا الغنى في أحسن حالاته في بعض الحوارات.

إخراج تاكاشي ميكِه من أروع إعلانات الولع بثقافة المانغا، سواءً في مهابة تقديمه للشخصيّات ومظهرها، طريقة إعلانها عن وجودها وأسلوبها في دخول الحدث، الأجواء الجذّابة التي لا تُفكّر كثيرًا في تلبية دعوتها إلى عالمٍ آخر، والصور التي تبدو خارجةً من الصفحات إلى الواقع، أفي معركةٍ كانت أم خلال حديثٍ أو في مسير. هذا كله طبعًا مع دّمويّته القاسية المصحوبة بخفة ظل ماكرة خلال معاركٍ ومبارزاتٍ طويلة لا يعوزها الإعداد الذي يملؤها إثارةً وجمالًا وخاصةً بالأسلحة المميّزة، ولا الحساسيّة لما يجعل احتمالَيّ الموت والنجاة حاضرَين باستمرار ومُضيفَين للإثارة، وإن أبقى القطع السريع في بعض الأحيان طمعًا غير مُشبَع بمشاهدة تفاصيل القتال كاملةً.

أداءات ممتازة قادرة على ترك أثر في أقصر ظهور من سوتا فوكوشي بدور أنوتسو كاغيهيسا وإيريكا تودا في دور ماكيِه، أداء جيّد من تاكويا كيمورا ومُضطرِب من هانا سوغيساكي في دور رِن أسانو يترُك بعض الأسئلة حول طبيعة شخصيّتها ودوافعها. مع تصوير مُتقَن وجذّاب من نوبوياسو كيتا سواءً على ضوء شموع الليل أو في ضوء النهار، وموسيقى تليق بملحميّة العمل من كوجي إندو.

تريلر Blade of the Immortal (لا أنصح بمشاهدته، الفيلم يستحق تأجيل كل شيء للمشاهدة الأولى):

Our Souls at Night

“الليالي ووحيدَين وعُمْر”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج ريتيش باترا
المدة ساعة و43 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب الإيحاءات الجنسية الصريحة
الإرشاد العائلي (أميركي)  لا يوجد
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 7.0

كان “The Lunchbox” لـ ريتيش باترا من أروع مفاجآت عامه لدرجة اعتباره الفيلم المرشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي غيابيًّا كون السبب المنطقي الوحيد لعدم نيله الترشيح هو خطأ لجنة الاختيار الهنديّة الطفولي لإظهار أنهم لا يُمكن أن ينزلوا عند رغبة الجماهير. وكان روبرت ريدفورد ممن وصلت إليهم تلك المفاجأة والمتمتّعين بخبرة تجعلهم يرَون إمكانيّات صانعها الواعدة، فتواصل مع باترا لمناقشة فكرة اقتباس رواية الراحل كينت هاروف الأخيرة والحاملة لروابط إنسانية حسّاسة أثبت باترا إتقانه للتعامل مع مثلها، ليُثبت ذلك مرّةً أخرى، لكن بإدارة أسطورتَين هوليوديّتَين على مشارف عقدهما التاسع مثل روبرت ريدفورد وجين فوندا.

لمحة عن قصة Our Souls at Night
في بلدةٍ صغيرة يعيش الأرملَين المتجاورَين لويس واترز (روبرت ريدفورد) وآدي مور (جين فوندا) دون تواصلٍ يتجاوز السلام ومنذ عقود، حتى قرّرت آدي يومًا ما تغيير ذلك بنقرةٍ على باب لويس ليلًا، تبعها دعوةٌ لقضاء ليلةٍ أو أكثر سويّةً في بعض الحديث الذي يسبق ويقود إلى نومٍ ليس كالذي يتبع أرق التفكير في الماضي ومدى ما شغلته الوحدة منه.

عن رواية كينت هاروف كتب سكوت نويستادتر ومايكل هـ. ويبر نص الفيلم، ناجحَين في أمورٍ أكثر من أخرى، فهُما استطاعا فهم جوهر علاقة كهذه وأحسنا استكشافه بأحاديث ومواقف بسيطة مُنِحَت اهتمامًا كاملًا منذ البداية ولم تُصغ على عجل صياغة التمهيد لما هو أهم، لكنهما لم يتفاديا الوقوع في فخ ظهور منعطفات لا تبرز بشكل تلقائي بل تعلن عن أن وجودها مخصّصٌ ليكون سببًا لهذا الأمر أو ذاك.

إخراج ريتيش باترا يُشذّب كل انحراف في النص بإيقاع هادئ ناتج عن استمتاعه بصحبة بطليه المٌحبّبين ونجمَيه القديرَين واستمتاعنا بالنتيجة، مما يجعل المنعطفات المذكورة تمر بنعومة يومٍ آخر وليلةٍ أخرى بدل منحها أهميةً لا تستحقّها وتضر بالأجواء الحميميّة المرِحة الفائضة بالجاذبيّة بين لويس وآدي. أجواءٌ يحرص على أن تغمرنا باستغلاله المواهب التي بين يدَيه والكيمياء التي أطلقت منذ خمسين عامًا مسيرتَي بطلَيه سواءً بالمسافة من الوجوه أو بالميل لضم العاشقَين في صورةٍ واحدة، ليجعل لحظات الصمت لا تقل أثرًا عن لحظات تبادل الأحاديث، بل قد تزيد في كثيرٍ من الأحيان.

أداءات تليق بالكبيرَين روبرت فورد وجين فوندا تغمرك بتفاصيل مشاعرهما غير البسيطة وتجعل لمجرد مشاهدتهما سويةً متعةً استثنائيّة، مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل حملَت ظهورَين قصيرَين مثيرَين للإعجاب بالأثر الذي يتركانه من جودي غرير وبروس ديرن، تصوير مُتقَن من ستيفن غولدبلات، وموسيقى رقيقة مُضيفة لسلاسة تدفُّق صور الفيلم من إليوت غولدنثال.

تريلر Our Souls at Night

Logan Lucky

“عودةٌ تشبع شوقنا لعملٍ آخر من سودربرغ”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج ستيفن سودربرغ
المدة ساعة و58 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي)  PG-13
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 7.3

منذ أربع سنوات أعلن ستيفن سودربرغ صانع أفلام مثل ثلاثيّة “Ocean” و”Erin Brockovich” و”Traffic” و”Sex, Lies and Videotapes” اعتزاله، فقد تحمل كفايته من تدخلات الاستديوهات. لذلك حين وجد نصًّا يغريه بالعودة قرر البحث عن طريقةٍ يعمل بها خارج نظام هوليوود، ووجدها بالحصول على ميزانيّة الفيلم من شركتين مستقلّتين حديثتَي العهد وبيع حقوق توزيع الفيلم خارج أمريكا ثم بيع حقوق ما بعد عرضه للصالات لخدمات مثل Netflix والقنوات التلفزيونية وشركات الطيران، واستخدام هذا المال في قيامه بصياغة سياسة تسويق وتوزيع الفيلم بنفسه. قد تدفع معلوماتٌ كهذه للظن أن سودربرغ صنع فيلمًا تجريبيًّا بعيدًا عن كل ما هو مألوف لا يُمكن أن يدعمه استوديو، لكن الواقع أنه صنع فيلمًا جماهيريًّا بامتياز، فَلِمَ كلُّ هذا؟، ببساطة، لأن الفيلم يملك عقلًا أكبر وتفاصيلًا أكثر مما تعتقد الاستديوهات أنه يمكن لجماهيرها احتماله، أمرٌ يتزايد يومًا بعد يوم من يُثبتون عكسه داخل جدرانها وخارجها.

لمحة عن قصة Logan Lucky
في غرب فيرجينيا يعيش الأخوَين سيّئي الحظ جيمي لوغان (تشانينغ تاتوم) وكلايد لوغان (آدم درايفر) بما تبقّى لهم من صحتهم الجسديّة، بعد إصابةٍ رياضيّة خلّفت أولهما أعرجًا بعد عمرٍ من الأحلام الرياضيّة، وأخرى حربيّة أفقدت الثاني إحدى يديه. يومًا ما يُقرّر جيمي تغيير هذا الحظ بسرقة مال رهانات سباق السيارات الكبير الذي سيجري قريبًا.

كتبت ريبيكا بلَنت (الاسم البديل لـ جولز آسنر زوجة سودربرغ) نص الفيلم، مُدخلةً التجديد على النوع باختيارات مثيرة لبيئته وطبيعة شخصيّاته، ليس هُناك من ستُسعد بتغيُّر حياته البائسة أو تحقٌّق انتقامه إن نجح، ولا من تنتظر بدء بؤسه أو جزاءه بنتيجة ذاك النجاح، لكنك ستحب متابعة هؤلاء وطريقهم لتحقيق غاياتهم، طريقة تعبيرهم عما يريدون وتفاعلاتهم وردّات فعلهم كلامًا كانت أم تصرفات، ظرافة وذكاء التفاصيل المحلّيّة فيهم وفي من وما حولهم، وخطة آل لوغان لأنها خطة آل لوغان وكيفية تنفيذها ومصيرها.

إخراج ستيفن سودربرغ خفيف الظلٍّ مرحٌ ماكر، بضع ثوانٍ تزيد أو تنقص في الردود والاستجابات خلال وبين الحوارات تخلق كوميديا ذكيّة ومُمتعة، سواءً ارتبطت بطبيعة الناس الذين يتكلم عنهم وطريقة عيشهم وتفكيرهم، بتفاصيل شخصيّات أبطاله النفسيّة والعقليّة والجسديّة، أو بتفاصيل تنفيذ الخطة الكبيرة. ويصل بكل ما سبق للحالة المُثلى بإدارة مُتقنة لممثليه أتت من بعضهم بما لم نتخيله منهم، واختياره البُعد المناسب والزاوية المُضيفة لخفة ظل العرض والتي تستثير ضحكتك أحيانًا لكونها حيث يستقر المتابع لبعض غريبي الأطوار محاولًا ألا يضحك بصوتٍ عالٍ.

أداءات ممتازة ويتحقق بها أثر العمل الكامل خاصةً آدم درايفر، تشانينغ تاتوم، دانييل كريغ في حلته الجديدة قلبًا وقالبًا، وجاك كويد. مع تصوير مُتقن من ستيفن سودربرغ، وموسيقى مناسبة ومٌضيفة للظّرافة من ديفيد هولمز.

تريلر Logan Lucky

Trapped

“موتواني يعود ليأسرك، حرفيًّا هذه المرّة!”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج فيكراماديتيا موتواني
المدة ساعة و45 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب كابوسيّة الحالة
الإرشاد العائلي (أميركي)  لا يوجد
اللغة الهندية
تقييم IMDB 7.6

نصُّ فيلم فيكراماديتيا موتواني الأوّل ورائعته الأولى “Udaan” انتظر سبع سنواتٍ حتى وجد طريقه إلى الشاشة، والثاني “Lootera” انتظر اثنتي عشرة سنة، أمضى بعدهم موتواني أربع سنواتٍ باشر فيهما العمل على فيلمين توقف إنتاج أحدهما وتغيرت خطة إنتاج الآخر. بعد كل هذه الانتظارات والصعوبات وبعد مشاهدة ما يستطيع تقديمه يأتي خبر صدور فيلمٍ جديدٍ له كمفاجأةٍ سارّة ومثيرة لحماسٍ كبير خاصةً كونه يدخل مساحةً جديدة. وكالعادة، موتواني يستحق الانتظار.

لمحة عن قصة Trapped
شاوريا (راجكومار راو) شابٌّ بسيط يُضطر لإيجاد بيتٍ جديد يُقيم فيه بين ليلةٍ وضحاها، ويجد ذاك البيت بانتظاره، بانتظار حجزه داخله بغلطةٍ سهى عنها على عجل في الطابق الخامس والثلاثين حيث لن يراه أو يسمعه أحد.

كتب أميت جوشي وهارديك ميهتا نص الفيلم، مُستعجلَين في التمهيد ناسيَين أهمية الارتباط القوي بالشخصيّة لتكثيف أثر أزمتها والتفاعل معها، ومُحسنَين الاهتمام بالتفاصيل بدءًا من لحظة الاحتجاز، ببيئة الأحداث غير البعيدة عما يمكن أن يمر به واحدنا في يومه والتي تجعل الظروف أكثر رعبًا، طبيعة حبال الأمل وتوقيت مدها والنتائج، واستغلال الوقت في استكشاف الاحتمالات بدل المونولوجات.

إخراج فيكراماديتيا موتواني مُهتم بتغذية وعي المشاهد بالظروف وطبيعة المكان وما حوله وما يمكن أن يُرى منه وما يمكن أن يُرى فيه، جاعلًا معرفتنا ببعض ما يجري في الخارج المساومة الوحيدة (والضرورية) على حرصه أن لا يتجاوز إدراكنا إدراك بطله، بينما يوظّف محدوديّة هذا الإدراك في المنزل لخلق إثارة مشاركتنا في البحث عن حلول والتوتّر الناتج، التلاعب بالأعصاب في لحظات الأمل، وتعلقنا بملامح بطله. وسط كل هذا الاهتمام بالتفاصيل للأسف يضطرب الإيقاع بعض الشيء لسببين، أولهما الاختيار الخاطئ للتنازل الذي يريد تقديمه موتواني ليصل لجمهورٍ أوسع بعد كل ما مر به، وكان هذا التنازل بتوضيحٍ وسط الحصار يُخرجك منه دفعًا ليُبرّر بعض ردات فعل بطله (ربما لخشيته من أن يكون الأمر مبهمًا إن أُدرج التوضيح في التمهيد ونُسي ريثما يتم الوصول إلى ما يرتبط به)، وثانيهما خروجٌ آخر بصحبة مخيلة بطله لا يضيف الكثير وإن كان ذو ضررٍ أقل على الإيقاع.

أداء ممتاز وقادر على كسب اهتمامك وتفاعلك طوال الفيلم من راجكومار راو، تصوير استطاع الإفادة من مصادر الإضاءة الطبيعية لواقعيّة كاملة من سيدهارث ديوان، وموسيقى حاضرة في أثر الفيلم من ألوكانادا داسغوبتا.

تريلر Trapped

Hotel Salvation

“أصبحتُ روحًا حُرّة، لا اسم لي”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج شوبهاشيش بهوتياني
المدة ساعة و42 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي)  لا يوجد
اللغة الهندية
تقييم IMDB 7.6

كتب الهندي شوبهاشيش بهوتياني نص هذا الفيلم عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره وأنهى تصويره في الخامسة والعشرين. فيلمٌ عن حاجٍّ سبعينيّ على طريق الموت يصنعه شابٌّ كخطوةٍ أولى على طريق مسيرته السينمائيّة، طريق حياته. أمرٌ مثيرٌ للتساؤل حول مدى اقتراب الناتج من النضج الكافي الذي يتطلبه موضوعٌ كهذا، وللتساؤل جوابٌ مبهر هو هذا الفيلم.

لمحة عن قصة Hotel Salvation
دايا
(لاليت بيهل) رجلٌ هندوسيٌّ متديّن في السابعة والسبعين من عمره بدأ حلمٌ منذ فترة بملاحقته كل ليلة، وكان تفسيرُ دايا للحلمِ أن أجَلَه اقترب، فقرّر الذهاب إلى مدينة فاراناسي على ضفة نهر الغانج، ليقيم حيثُ يقضي المستعدّون للرحيل أيّامهم الأخيرة في فندق مخصّص لهم ريثما يتحقق لهم الخلاص. قرارٌ أحاطت تداعياته بابنه راجيف (عادل حسين) الذي يضطر لمرافقة أبيه وترك كل مسؤوليّات العمل والعائلة وراءه.

كتب شوبهاشيش بهوتياني نص الفيلم، بناءً على قصصٍ سمعها عن التقليد الهندوسي الرّوحاني المثير في مدينة فاراناسي والمرتبط بفندق الخلاص، وفي حين يقفز إلى الذّهن فور سماع الإطار العام للقصة أجواء جنائزية قابضة للصدر وميلودراما ودموع، نجد بهوتياني أبعد ما يكون عن ذلك. هو كالصديق المشترك نادر الوجود بين الأجيال، قادرٌ على تقدير وجهة نظر كلٍّ منهم، نزيل الفندق وابنُ الماضي الراضي بماضيه حتى لم يعد يرى في النهايةِ رعبًا، ابنُ الحاضر وغير القادر على فهم تعاملٍ كهذا مع الرحيل والحائر فيما يبقى لأجله، وابنُ المستقبل الذي لا يعنيه إلا أن يصنع غده كما يريد فما زال الوقت مبكّرًا على التفكير في البقاء والرحيل. والشخصيات الناتجة أبسط بكثير مما يُمكن أن تتخيله عن لقاء الأجيال هذا، ومواقفها وتفاعلاتها وحواراتها أبسط، تروي كل شيء دون حاجةٍ إلى أي مساعداتٍ فلسفيّة في الحوارات أو ما شابه. بهوتياني فقط يشغل نفسه بالحياة وتفاصيلها، ويترُك أمر تطوّر الشخصيّات وصراعها لمرورها بـ وتكوينها لتلك التفاصيل.

إخراج شوبهاشيش بهوتياني يحرص على حضور مدينة فاراناسي كشخصيّةٍ إضافيّة ويستمتع بالمرور على مساحات واسعة منها سواءً كان على الشاطئ أو وسط نهر الغانج. أما داخل الفندق فيتحدّى ضيق مساحاته وتواضعه، ويكسب التحدّي، دومًا هناك زاوية من روح فيلمه يُمكن لكاميرته الاستقرار فيها ورصد تفاصيله الجميلة، بحيث تُفيد من موضعها بالنسبة لمصدر الإضاءة وتوزُّع شخصياته أمامها ودون أن تضر بتلقائيّة وحميميّة اجتماع تلك الشخصيات وأحاديثها وصمتها المُضيف لغنى الأحاديث، وتجد الجمال حيث قالت زوجة راجيف لدى وصولها: “كيف يمكنك ألّا تمرض في مكانٍ كهذا؟!”، في مكانٍ كهذا وجد بهوتياني بعضًا من أجمل قطع الحياة تُعانق الموت، فيها بعض الكوميديا اللطيفة النابعة من الموقف لا من تلطيفٍ أو توجيهٍ له، فيها دراما علاقات آسرة، ومساحة تأمُّل مريحة للنفس، فيها احتفاءٌ بالحياة لا توقفه نهايتها.

أداءات ممتازة من فريق العمل وخاصّةً عادل حسين ولاليت بيهل أغنت لحظات الصمت المذكورة وضمنت فعاليّة تأثير التجربة، تصوير تقوده حساسيّة للمس الجمال في البساطة وبالبساطة من ديفيد هيوايلر ومايكل ماكسويني، وموسيقى رقيقة تُضيف رغم عدم ظهورها إلا في مواضع قليلة من تاجدار جُنَيد.

تريلر Hotel Salvation

Wind River

“الذئاب لا تأكل الغزلان قليلة الحظ، تأكل الضعيفة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج تايلر شيريدان
المدة ساعة و47 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي والعري والمشاهد الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.9

بعد عشرين عامًا من الأدوار الجانبيّة غير الملحوظة، أوشك تايلر شيريدان على الانتقال مع عائلته إلى حيث سيعمل كسائس خيول بدوام كامل، ثم راودته فكرة أن يقوم بمحاولة سينمائيّة أخيرة، لكن ليس في التمثيل هذه المرّة، بل في كتابة النصوص وإن لم يملك أي تجربة سابقة. بعد ستة أشهر أنهى ثلاثة نصوص سُمّيت أفلامها ثُلاثيّة الحدود الأمريكيّة، بيع اثنين منها وأصبحا Sicario وHell or High Water أحد أهم أفلام عاميهما كما رُشّح عن ثانيهما للأوسكار، أما الثالث فكان مُتردّدًا بشأنه بشكلٍ غريب خاصةً بعد النجاح الكبير لسابقَيه وكثرة العروض، شيريدان خَشي العبث برؤيته بحيث تصبح مُهينة لمن يحترمهم بها، “لا أعلم إن كنت أستطيع صناعة فيلمٍ جيّد، لكنني علمت أنني أستطيع صنع فيلمٍ يحترم الجميع”، لهذا قرّر أن يقوم بتجربته الإخراجيّة الأولى مع Wind River . والمفاجأة السارّة له ولنا أن ثلاثيّته اختُتمت أيضًا بأحد أقوى أفلام العام، والذي بلا شك يحترم من فيه.

لمحة عن قصة Wind River
كوري لامبرت (جيريمي رينر) صيّاد حيوانات مفترسة إن اقتربت من أماكن عيش البشر أو ماشيتهم، وفي إحدى مهمّاته يجد جثّة شابّة لم تقربها وحوش الغابة وإنما قتلها الخوف من البشر. تصل بالنتيجة العميلة الفدراليّة حديثة العهد جين بانر (إليزابيث أولسن) إلى مسرح الجريمة للنظر في ملابسات الأمر، ومعًا يمضيان في كشف الغموض المُحيط بآخر ساعات حياة الشابّة الصغيرة.

كتب تايلر شيريدان نص الفيلم المبني على “قصص” حقيقية، مُتعاملًا مع الإطار التقليدي في عدّة جوانب بجدّيّة فرضها احترامه للقصة، وأثمرت تماسُكًا وثقلًا حسّيَّين يطغيان على أي تقليديّة. قد لا تكون رحلة بطلهم الأولى من نوعها، لكن قلبها غير مستعار، قد لاتكون النتائج خارجة عن التوقعات المبنيّة على المألوف، لكن رعبها وألمها نداء استغاثة لا متاجرة، وقد لا تخلو الحوارات من بعض التجهيز للاقتباس أو غياب قدر معيّن من التلقائيّة أحيانًا، لكنها مُعدّة بالكامل لمخاطبة قلبك واحترام عقلك. رُبّما موضع القصور الأبرز هو كون شخصيّة جين صدى لشخصيّات شبيهة أكثر منها شخصيّة خاصّة بهذا الفيلم، وإن كان دخولها ضروريًّا، لكن المساحة الممنوحة لم تُستغل لجعل أهميتها لا تتوقف عند هذا الدخول.

إخراج تايلر شيريدان بشكل مفاجئ أفضل من نصّه، رُبّما هناك بعض المواضع المأخوذة كما هي بقوالبها، لكنها تذوب وسط الأجواء الجافّة الكئيبة، والمُدعّمة بالمساحات الواسعة المُغطّاة بثلجٍ لا تُفسد الكثير من الخطوات تراكُمَه، ناقلةً عُزلةً وحتى شعورًا بالبرد. مع إيقاعٍ يفرض هدوءه بعد إحاطتك بحجم المأساة، ولحظات دخول مُباغتة بذكاء للعنف تؤتي ثمارها كاملةً من شد الأعصاب وكسب الاهتمام الكامل المُستثار بشعورٍ بالخطر.

أداء قوي من جيريمي رينر يُحمّل ملامحه ماضيه وإن أُخطِئَ توجيهه في مرةٍ أو اثنتين، أداء مُلتزِم من إليزابيث أولسن اقتصر على منح شيريدان الانطباعات التي يريدها في اللحظات التي يريدها دون كثيرٍ من العمل على خلق خلفية للشخصيّة تُعوّض غياب تلك الخلفيّة في النص، مع أداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير جيّد من بِن ريتشاردسون، وموسيقى تليق باسمي مُبدعَيها وارين إليس ونيك كيف ساهمت بشكل كبير في حالة الفيلم ووزنه الحسّي.

حاز على 4 جوائز أهمها أفضل مخرج في قسم نظرة ما في مهرجان كانّ، ورُشّح لـ3 أخرى أهمها الكاميرا الذهبية في مهرجان كانّ.

تريلر Wind River

Them

“ساعة من الفزع”

السنة 2006
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج ديفيد مورو، زافييه بالو
المدة ساعة و17 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الفرنسيّة
تقييم IMDB 6.5

“انزعاج القلب بتوقع مكروه عاجل”، هذا ما وجدتُه في تعريف “الفزع” لدى بحثي عن الكلمة المناسبة لوصف أثر هذا الفيلم بدقّةٍ تُنصفه وبالتالي تجعل من سيشاهده جاهزًا لاستقبال متعته كاملةً بدل العودة بخيبةِ: “لكنه ليس رعبًا”. أما بالنسبة لما اجتمعت عليه المآخذ الأخرى من كون الفيلم استعراضًا لقدرة صانعَيه على إحداث هذا الأثر للفت نظر هوليوود أكثر منه فيلمًا متكاملًا، ربّما كان هذا صحيحًا، فإذًا؟، هل هذا يعني أن أفلام النوع تفيض بالقصص والمعاني والعبر وجاء هذا الفيلم قاصرًا عن معاييرها؟، لا أظن ذلك.

لمحة عن قصة Them
في رومانيا تعيش الفرنسيّة ومُدرِّسة اللغة الفرنسيّة كليمنتين (أوليفيا بونامي) مع حبيبها الكاتب لوكاس (مايكل كوهين) بهدوء في منزلٍ كبير وسط الغابة، لكن أصواتًا غريبة تقتحم الهدوء ذات ليلة منذرةً أنهما ليسا وحيدَين، وأن الآخرين ليسوا جيرانًا ودودين، فـ”هُم” يسعون لأكثر من مجرّد التعرُّف على الزوجين في ظلمة تلك الليلة.

كتب الفرنسيَّين ديفيد مورو وزافييه بالو نص الفيلم، وما ستحسُّه من التقليديّة الكاملة في اللمحة السابقة صحيح وصريح، لكن هذه التقليديّة لا تقف في وجه تأسيس الألفة بينك وبين بطليهما خلال 11 دقيقة ببضعة تفاصيل لطيفة، ولا في وجه الاعتناء بجعل العاشقَين بالذّكاء الذي يُكسب مصيرهما أهميةً أعلى كونه يشبه مصير المشاهد إن وُضع في موقف مماثل. ليستطيعا بعد ذلك جعل الإطار المألوف بالمعنى غير الجيد للكلمة ذو أثر بعيد عن المألوف منه، بالمعنى الجيّد بلا شك.

وذلك بإخراج ديفيد مورو وزافييه بالو المُتقِن لما تعنيه كلمة مطاردة، سواءً بالنسبة لتأسيس المساحة وجعل المشاهد واعٍ بها وبالتالي متأثّرٍ بدرجة القرب والبعد عن الخطر، استغلال الظلمة والغابة وحجم المنزل، نقل ضيق الصدر بالمطاردة ضمن مساحات ضيّقة مجهولة الوجهة، والحساسية للقطع في المونتاج المتسارع مع أنفاس أبطالهما بحيث يتركّز في رفع حدّة الإثارة وإخلال واستعادة التوازن لا اختصار الزمن، فزمن التجربة على الشاشة هُنا يُساوي تقريبًا زمنها على أرض الواقع.

كُل هذا أفاد على عكس المعتاد من أداء البطلَين وخاصّةً أوليفيا بونامي، اهتمامك بهما وتأثير حاجتهما لبعضهما لا حاجة الأقوى منهما للأضعف واستجابة كلٍّ منهما لتلك الحاجة يُضيفان للأثر بشكل ملحوظ بلا شك. مع تصوير مُتقَن ضمن حدود الميزانيّة وخاصّةً في حركته من أكسيل كوسنفروي، وموسيقى مناسبة من رينيه-مارك بيني.

تريلر Them (لا أنصح بمشاهدته لأن المفاجآت التي تنتظر في الظلام أو خلف الأبواب المقفلة لن تحتفظ بكامل تأثيرها بعده):

It Comes at Night

“أنت شخصٌ جيّد، أنت فقط تحمي عائلتك”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج تري إدوارد شولتس
المدة ساعة و31 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب بعض الرعب الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.3

من أبرز مشاكل الأفلام المستقلّة تجاهل عدم توافق الإمكانيات المتاحة مع الطموح. أما تري إدوارد شولتس فمُدركٌ تمامًا لخطر الوقوع في فخٍّ كهذا، لا يعدك إلا بما هو قادرٌ على تقديمه، وقدرته هذه تشمل سيطرةً استثنائيّة على أعصابك رعبًا وإثارة، وأكثر مما يُرضيك من الأثر في قلبك والاستثارة لعقلك.

لمحة عن قصة It Comes at Night
في بيتٍ لا تجاوره إلّا الأشجار يُقيم بّول (جويل إدغرتون) مع زوجته ساره (كارمن إيجوغو) وابنه المراهق ترافيس (كيلفن هاريسون جونيور) للاحتماء من تداعيات وباءٍ لم يُبقِ كثيرًا من البشر. يومًا ما يقتحم بيتهم غريبٌ لا يعلمون عنه إلا أنه دليلٌ على أن آخرين بالقرب من منزلهم وقد يكونون محل ثقة وقد يكونون وراء هلاكهم والاستيلاء على مواردهم.

كتب تري إدوارد شولتس نص الفيلم، تاركًا ما يُرهق الكثيرين به أنفسهم دون داعي من ابتكار أسباب جديدة للوباء أو الخطر الذي سبّب انهيار الحضارة وفناء البشر والبحث وراء أساس الخيال العلمي، ومُركّزًا على النتائج، رُعب انتظار المجهول، “هل تؤمن بالفعل بذلك؟” تُجيب سارة زوجها حين يُعبّر عن ثقته بأن كل شيء سيصبح على ما يرام، حين لم تعلم إلى أين سيأخذهم فعل ما يلزم للنجاة، ليس لأن هناك نورًا في آخر النفق عليها أن تنجو ريثما تصل إليه، وإنما لأنه ربما يكون هناك نور. أفكارٌ كهذه قد تُدعّم بشخصيات وحوارات تضيف إليها وتزيد تفرعاتها وتشابكاتها بدرجات متفاوتة، خيارٌ يلجأ إليه أغلب من يجدون نفسهم في مكانه كي يعوضوا بإثارة خوض عقل المشاهد في تلك التشابكات آثار محدودية الميزانية، لكن شولتس حسم أمره بشأن ذلك ولا يُريد الذهاب إلى حيث قد يضل طريق رجعته، فاختار شخصياتٍ بسيطة بالغرائز الأساسية التي تبقيها ظروف مماثلة، وكذلك الحوارات العمليّة التي تعكس بيئةً كهذه.

إخراج تري إدوارد شولتس يُعيد لكل تقليديّات عالم قصته حيويّتها وأثرها الكامل ببدايةٍ صارمة حابسة للأنفاس تفرض عليك ذاك العالم وقسوته، ثم يستكشفه بكاميرا فضوليّة حذِرة، مانعًا إيّاك رغم هدوء حركته ورصده من إدراك الاتجاهات أو حجم وشكل المنزل الحصن وكيفية التنقّل فيه مما يرفع حدّة الترقّب، ويُحوّل ممرًّا طويلًا مظلمًا وبابًا أحمر إلى وحشٍ أكثر رعبًا من أغلب الأقبية والعلّيّات المسكونة، خاصّةً مع ذوبان كوابيس النوم بين كوابيس اليقظة بسلاسة تُضيف للحرق المتمهّل للأعصاب، المُفيد من الروابط حادّة الأطراف بين شخصيّاته سواءً الهشّة منها والمتينة، والمُثبت أن في ما لا تعرفه ولا تراه رُعبًا أكبر من ذاك المترافق مع معرفتك مصدر الخطر.

أداءات ممتازة من فريق العمل وخاصّةً كيلفن هاريسون جونيور، تصوير كان يد شولتس اليمنى بحركته المرسومة الناعمة وإفادته من عالمٍ بلا كهرباء لخيارات إضاءة مُلفتة الأثر داخل وخارج المنزل من درو دانييلز، وموسيقى تحرص على تكثيف انتباهك وحذرك دون أن تتولى مُهمّة المفاجأة من برايان ماكومبر.

تريلر It Comes at Night