أرشيف الوسم: 9/10

Blade Runner 2049

“رائعةٌ تُكمِلُ رائعة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج ديني فيلينوف
المدة ساعتين و44 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعري
الإرشاد العائلي (أميركي)   R
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 8.3

أغلب الأفلام التي تحقق نجاحًا جماهيريًّا كبيرًا وقت صدورها تفشل في اختبار الزمن، والتي تجتاز الاختبار منها هي ما تصبح كلاسّيكيّات. لكن هناك أفلامٌ لا صلة لجماهيريّة ما تقدّمه بخلودها، حتى حين نرى ارتقاء مكانتها مع الزمن لا نستطيع تفسير ذلك بأنها أصبحت مناسبةً للأجيال التي تلت صدورها، لم تصبح أبسط، لم تتكرر ليسهل هضمها، ولم تعد إلى دارة الضوء للاستعانة بها في حركةٍ سياسيّةٍ ما، بل هي ببساطة انتصرت فنّيًّا. Blade Runner أحد هذه الأفلام، فيلمُ خيالٍ علميٍّ صدر في بداية الثمانينات تغلّب على كل العوائق التقنيّة الممكن تواجدها بجماليّاتٍ وفنيّاتٍ أصبحت اليوم مدرسة، بين موسيقى الكبير فانغليس، التصوير الإعجازي من جوردان كروننويث، تصميم إنتاجٍ ملأ المساحات أمام كاميرا كروننويث بالعجائب البصريّة من لورنس ج. بول، نص ينضح غنًى وحساسيّة لضخامة أفكاره من هامبتون فانشر وديفيد ويب بيبلز، أداء روتغر هاور الاستثنائي، وإخراج ريدلي سكوتّ في ذروة إبداعه ومغامرته. هذا كله لا يُمكن إعادته، لا يمكن تقليده، ومن عدم الاحترام لإرثه أي مُحاولة لشرحه وتسطيحه ليُناسب شريحةً أكبر. بهذا نستثني أي احتمالية لإعادة صنع ناجحة. كيف إذًا يُمكن أن نروي ظمأنا لجولةٍ أخرى في ذاك العالم؟، بأن يكون صانعُ الجولةِ عاشقًا آخر لـ Blade Runner، علمَ أن غنى عالمه يستحقُّ اسكتشاف زوايا جديدةٍ فيه تجعل جولته أكثر بكثيرٍ من مجرد زيارة للمحطات السابقة، تجعلها امتدادًا لما أخذنا إليه سكوتّ يُقدّم لنا نكهاتٍ فكريّةٍ جديدة واستهدافًا لمواضع مختلفة من القلب مع المحافظة على روح الأصل. عاشقٌ كـ ديني فيلينوف، ليصنع لنا فيلمًا كـ Blade Runner 2049

لمحة عن قصة Blade Runner 2049
إنه عام 2049، بعد ثلاثين عامًا من مغامرة ريك ديكارد (هاريسون فورد) مع مطاردة البشر الصناعيّين الهاربين للعثور على طريقة لزيادة عمرهم الافتراضي الذي لا يتجاوز 4 سنوات. أصبح جيل البشر الصناعيّين المتواجد الآن ذو عمرٍ غير محدّد ومُطيعٍ بقدرٍ يجعله خادم البشر الأمثل، كـ كاي (رايان غوزلينغ) الذي يقوم بمهمة القضاء على من تبقى من أجيال بني جنسه السابقة الهاربة وغير المطيعة. في إحدى مهام كاي يعثر على بقايا أحدٍ دُفِنَ بعنايةٍ فائقة، امرأةٍ توفّيت وهي تلد طفلها الأول، لكنها ليست بشرًا، هي صناعيّةٌ مثله وحملت رحمها المعجزة الأولى من نوعها، طفلٌ وليد لامرأةٍ صناعيّة، خطرٌ يُهدد بجنونٍ وحربٍ لا أحد متأكّدٌ فيها ما الذي يجعله بالفعل إنسانًا بـ روح.

كتب هامبتون فانشر ومايكل غرين نص الفيلم بمساعدة ريدلي سكوتّ، وكما ذكر كلُّ منهم، لم تكن الغاية في أية مرحلة من مراحل صناعة الفيلم بناء عالمٍ يُمكن الاستفادة منه في أجزاء أخرى أو تقديم معادلة مألوفة ما في إعادات الصنع والأجزاء، الغاية أولًا وأخيرًا كانت صناعة أفضل فيلم ممكن أن يستحق اسم Blade Runner، وهذا ما حدث. لا إعادة للقصة بحوارات أُخرى، لا عودة لشخصيات قديمة بأسماء جديدة، ولا استسهال الاعتماد على تقديم إجابات الأسئلة التي تركها الأصل. بل نتاج ولع كلٍّ من الكتّاب بالقصة على مدى العقود القليلة الماضية، كل فكرةٍ شغلتهم وأثارتهم أثمرت، وبانسجامٍ استثنائيٍّ لا يجعل الغنى على حساب الدقة وحسن الترابط والبناء. فلا نجد شخصيّةً ظهرت على الشاشة وظيفتها تنحصر في دفع حدثٍ ما أو ما شابه، كلُّ من هنا ذو تاريخٍ مثيرٍ نمر على طريقه ولنا خيار المضيِّ فيه أكثر بخيالنا وأفكارنا، محققينَ ذلك بلمسةٍ عبقريّة على مدى معرفة أبطالهم لحقيقتهم وحقيقة ما حولهم، ففي الأصلِ لا يصدِّق من يملك ذكرى أنه لم يعشها من قبل، وهنا يسخر صاحب الذكرى من فكرة الحديث عنها كونه يعلمُ أنها لم تكن. حتى الحبُّ حاضرٌ بأكثر صوره موازنةً بين العقل والقلب، مع الحرص على أن يكون العقل واستكشاف وتطور الشخصيّات أساسُ ولادته والقلبُ نتيجة. الحبُّ والرّوحُ والعاطفة يسكنان كل خطٍّ دراميّ بأسئلةٍ عن الحقيقيِّ والمبرمج منها وما يجعله أحدهما، لا يشترك أيُّ سؤالٍ منها مع آخر بمصدره، لذلك يستحقُّ كلُّ منها مكانه ويضيف، في حين تشترك جميعها في الوجهة، وهي عقلك ووجهة نظرك وحالتك. هذا مع واحدة من أفضل التنويعات الممكنة على قصة المختار.

إخراج ديني فيلينوف يؤخذ بجاذبيّة المساحات البصرية الواسعة الآسرة التي خلقها مع مصمم الإنتاج الخبير دينيس غاسنر، فنؤخذُ ونؤسر، تحيط به مهابة إعادة ولادة العالم الذي سحر عشاق السينما لأكثر من 35 عامًا، فتغمرنا وتطمئننا لكوننا في أيدٍ أمينة تقدِّر ما تتعامل معه، لذلك نجده مثمِّنًا كل لحظة، ليس هناك لقطةٌ تأسيسيّة ثم قفزٌ إلى المهم، كل شيءٍ مهم، ودون الانزلاق في فخ الاستعراض، فاستغراقه مع اللحظات دومًا يمنحها ثقلًا فكريًّا وحسّيًّا أكبر، سواءً كان مع المواقع الاستثنائيّة وما تقوله عمن فيها ومن وما كان فيها وما يمكن أن يكون قد مر به العالم في الثلاثين عامًا الماضية، مع التفاعلات بين شخصيّاته وبينها وبين ما حولها في أوقات وحدتها، ومع الثواني التي تلي كشفًا أو انعطافًا أو ذروة، تلك التي تكون في أمس الحاجة إليها لاستيعاب وتقدير ما حدث، لهذا تخرج من الفيلم معيدًا مشاهدًا ولقطاتٍ في ذاكرتك سيكون من الصعب جدًّا نسيانُها، تقديم جوي، كل دخول لعالم نياندر والاس، الذكرى والحلم، صانعة الذكريات، القبلة الأولى تحت المطر، المشهد الجنسي الأغنى عاطفةً وقدرةً على ربط عقل المشاهد بقلبه لهذا العام، دخول المدينة الغارقة في الإشعاع النووي، يدٌ تستكشف خليّة نحل، سقوط الثلج الأخير، وكلمة “أحبُّك” في لحظةٍ تمنعها من أن تكون أُخرى. كل هذا على مدى أكثر من ساعتين ونصف لا يمر فيها إيقاع الفيلم بتلك التسارعات، بل يُحافظ على سويّة شبه ثابتة في تدفُّق الجمال والغنى البصريَّين والسمعيَّين، لثقةٍ بضخامة ما يُقدّم و قدرته على استثارة فكر وأحاسيس مشاهده بشكلٍ لن يحافظ على اهتمامه فقط، بل سيغريه بالعودة أكثر من مرة دون ندم.

أداءات ممتازة من أغلب فريق العمل، خاصةً رايان غوزلينغ بتعقيد تعاملاته مع الصدمة والعاطفة وقدرته على جعلنا ندرك ذلك التعقيد، آنا دي أرماس بصعوبة تفادي الوقوع في حبها.، في حين أفاد العمر في زيادة خبرة هاريسون فورد لكنه لم يعلمه الاجتهاد أكثر، لذلك نجده في لحظة مواجهة يُفترض أن تكون بين أعلى ذُرى الفيلم يتركنا خائبي الأمل، أما جارِد ليتو فلا يُقدّم ما يزيد عن المتوقع من ممثلٍ متوسّط يُمنح فرصة لأداء دورٍ كهذا، دورٍ كُتِب ليُذكر لكنه لم يحقق غايته كما يجب.

تصوير يليق بكاميرا روجر ديكنز أحد أكبر أساطير التصوير في زمننا. لا بُدَّ أن التعاون مع من مثله يُلغي وجود الحدود على خيال مصمم إنتاجٍ مثل غاسنر، فمع ديكنز لن يُهمل أدنى تفصيلُ جمالٍ في مواقعه، بس سيُضاعف أثره. مع موسيقى أضافت لمهابة التجربة وأكملت إشباع الحواس من بنجامين وولفيش وهانس زيمر.

حاز على 38 جائزة ورُشّح لـ 68 أخرى أهمها ثماني جوائز بافتا لأفضل تصوير، تصميم إنتاج، موسيقى تصويريّة، صوت، مؤثرات بصريّة، مونتاج، مكياج، وإخراج.

تريلر Blade Runner 2049

Loving Vincent

“ساعة ونصف عبر عينَي فان جوخ”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج إيلدِكو إنيِدي
المدة ساعة و34 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عُري ومشاهد جنسيّة
الإرشاد العائلي (أميركي)  لا يوجد
اللغة الهنغاريّة
تقييم IMDB 8.0

عندما لا تكون من أوائل من يتحدّثون عن فيلمٍ كهذا ستحاول الابتعاد عن تكرار المعلومة التي وردت في كلِّ حديثٍ عنه، لكن في حالة هذا الفيلم لا يجب الاكتراث لذلك، ويجب إعادة أن شغف مخرجَين بأعمال فينسنت فان غوخ وصل لدرجة جمع 125 رسّامًا لإعداد أكثر من 65 ألف لوحة زيتيّة مرسومة على قماش مشدود، لصنع فيلمٍ عن فان غوخ كلُّ صورةٍ فيه لوحة مرسومة يدويًّا بالكامل بأسلوب فان غوخ. لا أعتقد أن هناك برهانًا أكبر على حب وتقدير صناع هذا الفيلم لمن يتحدثون عنه ولفنه، ورغبتهم باستثارة حبٍّ وتقديرٍ مماثلَين عند من سيشاهدون فيلمهم بعينَي من يحبّون.

لمحة عن قصة Loving Vincent
بعد محاولاتٍ فاشلةٍ عِدّة لإيصال رسالة فان غوخ الأخيرة لأخيه، يُقرّر ساعي بريده جوزيف رولان (كريس أوداود) إرسال ابنه أرمان (دوغلاس بوث) للقيام بالمهمّة، مما يضع أرمان على طريق لغز وفاة فان غوخ (روبرت غولاتشيك) المأساويّة.

كتب ياتسيك دينيل، هيو ويلتشمان، ودوروتا كوبيِلا نص الفيلم، متفادين إعادة تكرير الأفلام العديدة التي روت قصّة فان غوخ، ولاجئين إلى بساطة كبيرة ومُجزية في اختيار وجهة النظر الجديدة. بطل فيلمهما هُنا ليس فان غوخ، وإنما عابرٌ يسأل عنه، ضيفٌ على بقايا عالمه اعتاد أن يسمع عن جنونه ووجد نفسه يومًا ما يُصغي لما يسمع، كمشاهد الفيلم. لكن للأسف كانوا صريحين أكثر من اللازم في أن وظيفة بطلهم هي تمثيل الانطباعات التي يريدون الحصول عليها من مشاهديهم، فـ أرمان كان يُعلن في ردات فعله أنه موجَّهٌ لغياب بناء مكتمل لشخصيّته، بناءٌ رُبّما لم تكن هناك حاجة حقيقيّة إليه مع باقي الشخصيّات التي يقابلها على الطريق، لكن في حالته فلا مُبرّر إلا أن الكاتب أراد ذلك، أو لم يستطع إدراج أكثر من ذلك لقيودٍ وضعها خيار الرسم اليدوي ونجهلها.

إخراج دوروتا كوبيِلا وهيو ويلتشمان ساحر التأطير والتحريك والانتقال والحرص على أن لا تمر أيُّ لحظةٍ في معرض صورهما مرورَ الكرام، بإيقاعٍ هادئ يُمتع الأعين باللوحات الزيتيّة آسرة التفاصيل والغنى بالعاطفة، ويتفاديان به جعل توالي تلك اللوحات مُرهِقًا مُدّعيًا، حتى يصبح من السهل التقاط الاحتفاءات بأشهر أعمال الفنّان الكبير، ومن المغري أن تعاود التجربة أكثر من مرّة. التجربة الوحيدة من نوعها، فكم مرّةً مُنِحت عينَي فان غوخ لترى بهما ما رآه وخلده من جمال؟

أداءات صوتيّة ممتازة من فريق العمل وخاصّةً سيرشا رونان، وموسيقى تُدعّم استغراقك بالعمل منذ البداية من كلينت مانسيل.

حاز على 8 جوائز ورُشّح لـ30 أخرى أهمها الـ غولدن غلوب لأفضل فيلم أنيميشن.

تريلر Loving Vincent

On Body and Soul

“لم تشهد حبًّا كهذا من قبل”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج إيلدِكو إنيِدي
المدة ساعة و56 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عُري ومشاهد جنسيّة
الإرشاد العائلي (أميركي)  لا يوجد
اللغة الهنغاريّة
تقييم IMDB 8.0

18 عامًا تفصل بين آخر أفلام الهنغارية إيلدِكو إنيِدي وهذا الفيلم، ليس لأنها قررت التوقف ثم تراجعت عنه، وليس لأنها كانت ممانعةً التنازل عن رؤيتها ثم استسلمت، بل لأنها ببساطة لم تجد خلال تلك الفترة ممولًا يُشاركها الإيمان بموهبتها وأفكارها، حتى الآن، والنتيجة دفقٌ من الحساسيّة والحُب يجعلاننا أسعد منها بعودتها وأكثر منها إحساسًا بقدر ما فوّتناه في غيابها.

لمحة عن قصة On Body and Soul
أندريه (غيزا مورتشاني) مُديرٌ لمسلخ لا حياة اجتماعيّة حقيقيّة لديه، إلا في ماضيه الذي لم يبق منه إلا بعض زيارات الأولاد المتباعدة. تلفت نظره في إحدى الأيام ماريّا (ألكساندرا بوربيه) شابّةٌ جديدة قدمت لتعمل كمراقبة جودة، وتتميز بسلوك اجتماعي يُشابه سلوك مرضى التوحُّد. ليكتشف الاثنَين لاحقًا أن ما يجمعهما أكثر من إثارة اللقاء الأوّل، يجمعهما حُلم، حرفيًّا.

كتبت إيلدِكو إنيِدي نص الفيلم، عازمةً على بناء عالمٍ خاص، فيه من الفانتازيا ما ستُحب الاستسلام لسحره، من الواقعيّة والحساسيّة العالية في تقديم العلاقة والتفاعلات بين بطلَيها ما سيضمن تعلُّقَكَ بـ الغريبَين حتى يغفوا، ومن خفة الظل ما يصل بطيف ردات فعلك سواءًا في المشاعر أو تعابير الوجه حد الإشباع. كل هذا عن طريق شخصيّات غير مكتملة، ليست بالاستثنائيّة التي تجعل الشاشة مكانها الوحيد، وليست بغنى التفاصيل الواقعيّة التي تجعلنا نميّز فيها أنفسنا أو أناسًا نعرفهم، هي تُرينا وجهًا واحدًا منهم، ترى فيه كل الغنى وتُجعلُنا نرى، وجهًا بسيطًا من مشاعرٍ وبضع كلماتٍ وبضع لمسات، يُصبح بعنايتها بملامحه هذه كاملًا.

إخراج إيلدِكو إنيِدي يُكثّف المشاعر ويزيد من حجمها وعمق أثرها، ليس بالمبالغة أو ملحميّة الموسيقى أو ما شابه، وإنما فقط بدقّة الملاحظة، لا تمُرُّ لمسةٌ أو حركة يد أو ردّة فعل دون جعلها تنطق بما تحمله من مشاعر، مُحقّقةً ذلك بعنصرين متلازمَين متكاملَين، أولهما حساسيّة كاميرتها لتلك التفاصيل، وثانيهما جاذبيّة حالة وخصوصيّة عالمها المُدعّمة بإيقاع السّرد، فهُنا، لا يسعى من نشاهدهم لإثارة اهتمامنا، لديهم ما يشغل كل تفاصيل حياتهم ويمنحها طعمًا جديدًا، وما يشغلنا لأنه حُبٌّ يعبر إلى زوايا غير تقليديّة في قلوبنا. في هذه الحالة لا نُريدُ من الإيقاع تصاعدًا أو منعطفاتٍ تنعشه، لا نُريدُ القفز إلى “المهم”، هُنا كل شيءٍ مهم، لحظات خلوة أندريه وماريّا، لحظات انتظارهم لـ وتفكيرهم بـ اللقاء، ما يخفونه عن بعضهما ولا يستطيعان إخفاءه عنا، كل شيءٍ مهمٌّ عزيز الأثر.

أداءات آسرة من ألكساندرا بوربيه وغيزا مورتشاني كانا بها جسد الفيلم وجُزءًا كبيرًا من روحه، تصوير رائع من ماتيه هيرباي بصوره الناعمة المشرقة وصاحبة الدور الجوهري في جاذبيّة وخصوصيّة ما نشاهده، وموسيقى رقيقة من آدم بالاج.

حاز على 8 جوائز أهمها الدب الذهبي في مهرجان برلين ورُشّح لـ8 أخرى.

تريلر On Body and Soul

Columbus

“أفضل صحبة يمكن أن تقضي برفقتها مئة دقيقة في 2017”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج كوغونادا
المدة ساعة و40 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من إيحاءات جنسية
الإرشاد العائلي (أميركي)  Not Rated
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 7.4

هناك نوع محبّب جدًّا من الألفة تحسّه لدى مشاهدة تجربة إخراجيّة أولى كهذه، في تصريحها عن شغف صانعها بسينما هذا السينمائي الكبير أو ذاك، في الحوار المثير الذي تخلقه معك على لسان مخرجها، وفي الإحساس الناتج عن ذلك من كونك أمام تجربة صديقٍ لك، يشاركك الشغف السينمائيّ ذاته والذي كان محرّكه الأساسي ليشارك في خلق ما يحب. وحين يتأكّد إحساسك بمعرفة أن صانع هذا الفيلم هو كوغونادا أحد أهم مُقدّمي الأطروحات المصوّرة عن الحركات السينمائيّة والمخرجين والذي تعاون مع “The Criterion Collection” ومجلة “Sight and Sound” البريطانية تزيد رغبتك باحتضان مُنجزٍ كهذا للصديق الشغوف استحق مكانته كأحد أفضل أفلام عامه.

لمحة عن قصة Columbus
في كولومبوس، إنديانا، أحد أهم القُبَل لعاشقي وممارسي فن العمارة تلتقي كيسي (هالي لو ريتشاردسون) الشابّة العاشقة للإبداعات المعماريّة حولها والتي نالت شهادتها الثانويّة منذ عام دون أن تفكر بوجهةٍ جامعيّة محدّدة حتى الآن، بـ جين (جون تشو) المُترجِم الكوري القادم من سيول إثر معرفته بمرض أبيه المُحاضِر في هندسة العمارة وغير الناجح في إنماء حب فن العمارة في قلب ابنه.

كتب كوغونادا نص الفيلم الذي قال جون تشو لدى قراءته له: “من سيخرج هذا؟!”، سأل عن هويّة المخرج لا عن قابليّة ما قرأ ليُصبح عملًا استثنائيًّا. نصٌّ مُعتمد على مجموعة حوارات ولحظات خلو لشخصيّات جذّابة بالفعل لا على الشاشة، مع اللمسات التي تجعل تلك الشخصيات تتنفس هواءنا، والإفادة من هذه اللمسات في تطور الشخصيات والحوارات. إن ذكّرتك الملامح السابقة بثلاثية ريتشارد لينكليتر الرائعة وسرّك ذلك فأنت على الطريق الصحيح.

إخراج كوغونادا مُغرمٌ بشخصيّاته وبـ كولومبوس، ولا يفرض عليك ذلك بل يستدرجك للوقوع في حب من وما أحب. كاميرته لا تبحث، تعلم دومًا ما تريده وحيث تجده، لكنها تتميز بحساسيّةٍ عالية للحضور والغياب، ففي حين تستمر متعتك بالتزايد خلال الجولة بين العجائب المعماريّة الساحرة خاصةً بهندسة تأطير الصورة للخروج بأفضل توليفة ممكنة بين شكل حدود كاميرته وما تحتويه تلك الحدود، هناك ثقل واضح لحضور العنصر الإنساني في الصورة، يُضيف لجاذبيّة مرافقة نجمَيه والإصغاء إليهما بشكلٍ تحس معه أنك في إحدى المرات القليلة التي تصادف فيها شخصيّات تثيرك وتُحب السهر معها والتمشية فقط للحديث، مع الإيقاع المضيف للجاذبيّة لورود الأحاديث وتدفّق الصور، بلقطات طويلة مستغرقة حيث تحب أن تستغرق وترفض القطع دون الحساسيّة اللازمة لزمنه والأخذ بعين الاعتبار ما يأخذك منه وما يأخذك إليه.

أداءات مُتقنة لا يُمكن معها تخيُّل طريق أفضل للشخصيات بين الورق والشاشة، لا يُمكن أن تُصبح أقرب إلى القلب وأكثر إغراءًا لمرافقتها مما كانته حين سكنت ملامح هالي لو ريتشاردسون وجون تشو. مع تصوير ممتاز من إليشا كريستيان حقق أفضل إفادة من جمال ما يستقر حولها بمنظورٍ للرؤية لا أظن أنه كان ليرغب مبدعوا ما صوّرته بمنظورٍ أفضل منه للاستمتاع بأعمالهم، وموسيقى بسيطة ومُجزية من هاموك.

حاز على 6 جوائز أهمها جائزة لجنة التحكيم في مهرجان الروح المستقلة، ورُشّح لـ 18 أخرى.

تريلر Columbus 

Good Time

“كدخول نفقٍ مظلم ودليلك فيه ظلامه”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج بيني سافدي، جوش سافدي
المدة ساعة و41 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف والمشاهد الجنسيّة
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 7.6

وجود هذا الفيلم هو أحد الأدلة المثيرة على أهمية وقدرة الصورة، فبدايته كانت عندما رأى روبرت باتينسون صورةً من لقطةٍ في فيلم “Heaven Knows What” للأخوين بيني وجوش سافدي، ووجد فيها ما يكفي من الحساسية والسلطة على البصر ليكلّم صانعَي الفيلم الذي اقتطعت منه طالبًا منهما ضمّه لفيلمهما القادم في أي دورٍ يختارانه، ولم يعد خائبًا، بل مُنِح الدور الذي قدم فيه أحد أفضل أداءات العام وأفضل أداءٍ في مسيرته، وفي فيلمٍ لا شك أنه من أفضل ما صدر في 2017.

لمحة عن قصة Good Time
كوني (روبرت باتينسون) رجلٌ لديه تعريفاته الخاصّة للخطأ والصّواب، والتي لا تفتقر للأنانيّة أو تتميّز بالإنسانيّة إلا حين ترتبط بأخيه المضطرب ذهنيًّا نيك (بيني سافدي). يومًا ما يُقرر كوني أن يصطحب نيك لسرقة بنك، تصرُّفٌ لم يتوقع تداعياته المصيريّة على حياته وحياة أخيه.

كتب رونالد برونستاين وجوش سافدي نص الفيلم، مركّزَين على اللحظة أكثر من تركيزهما على خلفيّات الشخصيّات، وباختياراتٍ لتلك اللحظات لا تجعل من ذلك قصورًا بل تميُّزًا، خاصّةً بالتفاصيل الذّكيّة التي تُعرّف بطبيعة الشخصيّات ودور المُحيط الاجتماعي والسّياسي في تكوين واستمرار تلك الطبيعة، وإن دفعا الأحداث بوضوح في مرّةٍ أو اثنتين، إلا أن الناتج دومًا في صفّهم ويغفر الكثير.

إخراج الأخوَين بيني وجوش سافدي يُشعُّ طاقةً وحساسيّةً تأسرك منذ بداية الفيلم، ليس ذاك الأسر الذي نميل إليه، وإنما المُحاصِر، الباعث على التوتّر، والذي يورّطك بمكر في حالةٍ غريبة، فمع المسافة الصغيرة جدًّا بيننا وبين بطلهما طوال الفيلم والمُدعّمة بأدائه الاستثنائي نجد أنفسنا مضطرين للارتباط به وبمصيره، لكن مع كل قرارٍ يتخذه وتداعياته على من حوله وصلته بأخيه يُصبح من الصعب جدًّا تحديد اتجاه ميلك هل هو للأمل بنجاته أم بوقوعه، وفي نفس الوقت لا يتركان لك تلك الفرصة للتأمُّل بموقفك ويجبرانك على عيش توتّر كوني والجري معه من مجهولٍ إلى مجهول. ليقدّما مئة دقيقة من الخطر والشخصيات المُنفّرة في قالب بصري مُثير يُمتِعُك بعيش الخطر ومرافقة تلك الشخصيات.

أداء رائع من روبرت بّاتينسون يُكثّف أثر قرب الكاميرا من ملامحه ويُضيف لصعوبة تحديد موقفك من كوني، فغنى ملامح هذا الشخص مُثير وسَتُحِب مرافقته لرؤية تنوّعات انفعالاته في مُختلف المآزق التي يمر بها، مع أداء لا يقل عنه من بيني سافدي في ظهوره القصير الذي يمنح الفيلم ثقلًا حسّيًّا وفكريًّا أكبر، أداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير مُتقَن من شون بّرايس ويليامز، وموسيقى مُبهرة من دانييل لوباتين (أونيوتريكس بوينت نيفر) تُغلّف الفيلم بجاذبيّة ومهابة تكفيان وحدهما لاستمرارك بالمشاهدة، وتُشكّل مع ما قدّماه الأخوَين سافدي وبّاتينسون ثلاثيًّا يرتقي بالفيلم إلى مكانته كأحد أفضل منجزات عامه.

حاز على 3 جوائز أهمها جائزة أفضل مؤلف موسيقى تصويريّة في مهرجان كانّ، ورُشّح لـ12 أخرى أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كانّ.

تريلر Good Time

Thor: Ragnarok

“أروع رحلة في عالم مارفل السينمائي”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج تايكا وايتيتي
المدة ساعتين و10 دقائق
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي)  PG-13
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 8.2

حين طُلِبَ من آلان تايلر مخرج الجزء الثاني في سلسلة ثور أن يُخرج الثالث رفض لكارثيّة تجربته المتجسّدة في منحه الحرية في موقع التصوير ليفعل ما يشاء ثم إصدار فيلمٍ لا يجد من رؤيته فيه إلا الأطلال، أمرٌ لم يجادلوه فيه لأنها عادتهم التي تضمن لهم الربح واتجهوا بكل بساطة إلى دراسة البدائل التي أوصلتهم إلى عبقري الكوميديا النيوزيلندي تايكا وايتيتي، مما يُثير التساؤل، لماذا يرهقون أنفسهم بجلب مخرجٍ من نيوزيلندا إن كانوا عازمين على أن يُخرجوا الفيلم بأنفسهم؟. حسنًا، وايتيتي لم يترك مجالًا لهذا السؤال لأنه لم يترك فرصةً لهم لفعل ذلك، كم الارتجالات الذي لطالما اعتاد عليه يجعلهم يقابلون ما لا يستطيعون التحكم فيه كما اعتادوا، لذلك سيكون من الأفضل لهم التنحّي وترك الفيلم لصاحبه، وإن لم ترضهم النتائج لجؤوا إلى التفاوض والحلول الوسط. لكن المفاجأة التي قلما منحوا أنفسهم فرصة المرور بمثلها أن النتيجة كانت أفضل من كل ما حلموا به، كانت ما حلمنا به.

لمحة عن قصة Thor: Ragnarok
باقتراب موعد تحقُّق نبوءة راغناروك والتي تقول أن شيطانًا ضخمًا من نار سيُدمّر كوكب أزغارد، يُقرّر ثور (كريس هيمسوورث) الذهاب إلى معقل الشيطان وأخذه إلى سردابٍ يمنعه من تحقيق النبوءة، لكن يتضح أن ثور أخطأ العدوّ لجهله بوجود وهويّة العدوّ الحقيقي، عدوٍّ من دمه حتى لوكي (توم هيدلستون) لم يعلم من قبل بوجوده.

بناءً على القصص المصورة لـ ستان لي، لاري ليبر، وجاك كيربي كتب إريك بّيرسون نص الفيلم بمساعدة كريغ كايل وكريستوفر يوست، وباسمَين حديثَي العهد على هذا النوع من الأفلام كـ بّيرسون وكايل وممنوحَين قطعًا عديدة متناثرة من عدة قصص مصوّرة تُدخِل عددًا لا بأس به من الشخصيّات الجديدة، كسبنا فرصة مشاهدة بعض التجديد في توليف تلك القطع بحيث تُفسح مجالًا أكثر خصوبةً للأكشن والكوميديا ولا تذوب في خط تقليدي مُكرّر آخر كما جرى في الجزء السابق، هُنا المغامرة تستحق اسمها بطول طريقها وغنى الأحداث فيه والمفاجآت في اللحظات الحاسمة، الكوميديّة منها والمصيريّة.

إخراج تايكا وايتيتي المُرتجِل خلاله معظم الحوارات ونبرات ورودها يعيش المغامرة بالفعل، وبدل أن يخشى مسؤولية النقلة النوعية في ضخامة المشروع بالنسبة لكل ما صنعه من قبل ويلتزم بالقواعد، ينطلق بحريةٍ كاملة وكأنه في ملعبه. والنتيجة تحوُّل موقع التصوير بالفعل لملعبه لإعادة بناء كل شيء وفقًا لقواعده هو، قواعدٌ تُلخَّص بشكل رئيسي بالحرص على أن تكون المتعة والحماس والضحك على طرفي الشاشة، وبالتزام الجميع بها أثمرت أروع ظهور لـ ثور في أفلام مارفل واحتلاله مكانة أظرف شخصيّاتها، اكتشاف حس الكوميديا المختلف عند كلِّ واحدٍ من نجومه، وكثافة فيما يُقدَّم خلال وقت الفيلم تُشعرك أنه أطول من مجرّد ساعتين وبضع دقائق، فلا يتسع وقتٌ كهذا عادةً لهذا الكم من الضحك الذي لا يتخلله الكثير من الفواصل، والمرافق لأحداثٍ ونقلاتٍ كثيرة ومثيرة لا تشتاق خلالها للأكشن لدخوله في الوقت المناسب، وبأسلوبٍ لا يكتفي بإبهار المؤثرات بل يُضيف إليه الظرافة الوايتيتيّة.

أداءات ممتازة خفيفة الظل وسلسة التنقُّل بين لحظات الفيلم المختلفة من جميع نجوم العمل وعلى رأسهم توم هيدلستون، كريس هيمسوورث، وكيت بلانشيت وإن لم تُمنح الوقت الذي تستحقه على الشاشة. تصوير جيّد من خافيير أغيرِساروبيه، واختيارات موسيقيّة رائعة للأغاني في الفيلم من وايتيتي ارتقت بالمتواليات التي ظهرت فيها وكانت إضافة لموسيقى مارك موذرسبو المُتقَنة.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Thor: Ragnarok لما فيه من حرق لأهم أحداثه.

War for the Planet of the Apes

“أروع ختام لثلاثية هوليوودية منذ عودة الملك”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج ماتّ ريفز
المدة ساعتين و20 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي)  PG-13
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.6

مع صدور “Planet of the Apes” عام 1968 بدأت سلسلة أفلام استمرت لأربعة أجزاءٍ بعده أكّد كلٌّ منها أن عالم كوكب القردة ماكينة ضخ أموال. في بداية هذه الألفية حاول تيم برتون إنعاش هذه الماكينة بإعادة صناعة الفيلم الأصل، والناتج يعتبره الكثيرون من أبرز أمثلة إعادات الإنتاج التي لا مبرر لوجودها. مر عقدٌ من الزمان على فيلم برتون وعادت الفكرة إلى دائرة الضوء، لكن هذه المرة ليس كإعادة إنتاج، بل كرؤية جديدة تذهب لجذور الفيلم الأول، وعلى غير المعتاد ترافق نجاحها التجاريّ الكبير مع النقديّ المُتحمّس للخطوة القادمة، ثم نجاحٌ أكبر مع الجزء الثاني الذي بلغ ذروةً فنّيّة لا تسعى إليها حتى إنتاجاتٌ كهذه لأنها تعني في الغالبية العظمى من الحالات مساومة خطرة على الجانب التجاري، فماذا بعد؟، إلى متى يُمكن المحافظة على سويّةٍ كهذه؟. لحسن الحظ لم يعُد لدى ماتّ ريفز ما يثبته حول قدرته على إدارة الإنتاجات الضخمة مع حفظ مصالح مموّليها وامتلاكه رؤية تميّزُه تستطيع عبور حدود الاستديوهات، لذلك كان السؤال السابق بالنسبة له أهم من سؤال: “إلى متى يمكنني استغلال فرصةٍ كهذه؟”، وكان جوابُه فيلمٌ أخيرٌ ختاميّ، يضمن لهذه الثلاثيّة ذكرًا أطول من عمره، ويجعل من بطله سيزر شخصيّةً أيقونيّة سترتبط مكانتها دومًا باسم ريفز.

لمحة عن قصة War for the Planet of the Apes
فيروسٌ مخبريّ أُريد به معالجة الـ ألزهايمر يُحدث ثورة في المهارات الإدراكيّة والمعرفيّة عند القرود الذين اختُبِر عليهم، ويُطلق وباءً يهدد بانقراض البشر. تمر سنواتٌ يحاول فيها من تبقى من البشر لم شتاتهم وإعادة البناء لكنهم يجدون أن نوعًا آخر يفرض سطوته على بعض أجزاء الكوكب الذي لم يتوقعوا أن يقاسمهم فيه أحد، ويقررون القضاء على هذا النوع، مما يُشعل حربًا وقودها غريزة البقاء، والثأرُ أحيانًا.

كتب ماتّ ريفز ومارك بومباك نص الفيلم، والذي يزيد تقديره بعد معرفة أنه لم يكن مُعدًّا مُسبقًا. فبعد مشاهدة الختام يبدو وكأن هذه الثُّلاثيّة مُخطّطة منذ البداية كثلاثيّة ومرسومة الخطوط العريضة لكل جزءٍ منها، أو على الأقل سيكون هذا حال الجزأَين الأخيرَين، لكن ليس هذا ما حدث. ريفز قال أنه أراد إيهام نفسه أنهم يملكون كل الوقت الذي يحتاجونه وبالتالي يستطيعون مشاهدة مليون فيلمٍ للتحضير، وبالإضافة لاقتباسه من فيلمٍ واحتفائه بآخر بالنتيجة، لمس ريفز السمات التي تجعل من الملاحم ملاحمًا، ومن أبطال الملاحم ما يستحقون به قيادتها، فبنى على المحتوم من نهاية الجزء السابق حرب بقاءٍ لا إجابات سهلة فيها أو حلولًا وسط، وعلى ما أصبحه سيزر بنتيجة كل ما مرّ به قائدًا أقوى وأضعف، أقوى بخبرةٍ وصرامة، وأضعف مقاومةً للدّفعات المتوالية التي يتلقاها للوصول به إلى حافة الجنون بعد كل الخسارات التي لم يختبرها أحدٌ قبله، فلم يُفجع قِردٌ ببشرٍ إلا ربيبُ البشر سيزر، وهو قائد بني جنسه والأب والحريص على أن يكونوا دومًا عائلةً واحدة تترك كل خسارةٍ فيها نُدبةً جديدة في روحه التّعبة، هو شخصٌ ورمز، فحرب أيهما سيخوض؟

إخراج ماتّ ريفز يستغل صِغَر مساحة دور البشر هُنا لإفساح المجال للشاعريّة التي افتتح بها الجزء السابق واستعاض بها عن الكلمات، للحظات التواصل بالإشارات والنظرات ولغة الجسد، ويُساوم لتبقى مُحبّبة في أعين المنتجين بحركة الكاميرا المألوفة لأفلام الميزانيّات والتي تجعل كل شيء أعمق وأوسع وأكثر، مع الحرص ألا تأتي فقط استعراضًا لكرم هؤلاء المنتجين بغنى ما تمر عليه الكاميرا جمالًا وإضافةً للحالة، دومًا يتحرّك في بيئة خصبة بصريًّا ويَعي ونعي ذلك. ورغم كل هذا وتخلُّله أجواء الحرب والموت، نجد الإيقاع جذّابًا مُنصفًا، الدراما والوزن العاطفي والشاعري والأكشن، ودون إقحام، لحظات الإثارة والمطاردات والمعارك لا تأتي لإيقاظ المُشاهِد، وإنما لأنه لا بُدّ منها. لكن على عكس ما قد تنتظره منها عادةً، هُنا ليس هُناك موتٌ مُرضي ومُخصّص لتفريغ هموم يومك ببعض العنف، هنا الحربُ مفروضة، لا سبيل مجد لأطرافها أو تسلية لمشاهديها.

أداء رائع من أندي سركيس يُشكّل ذروة ما يُمكن أن يصل إليه أداء مُستعين بتقنية التقاط الحركة، سيزر المُحارب المُتعَب والأب والزوج والقائد وصاحب التجربة الاستثنائيّة التي جعلت منه كل هذا حقيقيٌّ حاضرٌ آسر، أيقونيّ، كـ أندي سركيس بالنسبة للأداء بهذه التقنيّة، والذي أضم صوتي لأصوات الداعين لترشيحه للأوسكار في فئة التمثيل الرئيسيّة، هذه الثلاثيّة ما كانت لتُصنع وتبلغ ما بلغت دون سركيس. ولا طبعًا دون مؤثرات بصريّة تستمر بإبهارك بكم التفاصيل التي استطاعت الإحاطة بها طوال الفيلم.

مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل وخاصّةً كارين كونوفال في دور موريس وتيري نوتاري في دور روكيت، تصوير ساحر من مايكل سيريسين في مُختلف ظروف التصوير في الغابة وبين الثلوج وفي ظلام المُعسكر، تحت ضوء الشّمس أو بغيابها وراء الغيوم، وموسيقى تُعلن عن تميّزها في أكثر من مناسبة مضيفةً لـ ومُرتقيةً بأثر الفيلم من مايكل جياتشينو.

تريلر War for the Planet of the Apes

A Ghost Story

“أجمل حلمٍ لهذا العام”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج ديفيد لاوري
المدة ساعة ونصف
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب بعض العُنف والإيحاء الجنسي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.7

“غاية صناعة الأفلام التجريبية في أغلب الأحيان تقديم الرؤية الخاصة لفنّان أو لفت النظر لتقنية جديدة أكثر من التسلية وتحقيق الربح”، هذه الكلمات من صفحة ويكيبّيديا المخصصة لمفهوم الفيلم التجريبي، وهذا فيلم تجريبي، مما يعني أن انتقاد ما يجعله تجريبيًّا من كونه غير مألوف البنية والأسلوب ووجود السرد من عدمه كانتقاد صلابة الحجر ورطوبة الماء. بوضع هذا الأمر جانبًا وبتوجيه الحديث لمن يملكون الرغبة لعيش تجربة جديدة أساسها الحالة التي عاشها صانعها والأفكار والأسئلة التي شغلته بنتيجتها لا القصة، ديفيد لاوري هُنا لم يُرِد التجريب بالأدوات السينمائية، التجريب هُنا كان نتيجةً لا غاية، هو فقط أراد التعبير عن حالة بأقرب وسيلة إلى قلبه والتي يُتقن التعامل معها، وهذا المستوى من الشخصية هو ما يجعل أثر A Ghost Story في روح حتى من لا يهتم لهذا النوع من الاختلاف أعمق مما يمكن أن يتخيل.

لمحة عن قصة A Ghost Story
ببساطة، الفيلم يروي ما يقوله عنوانه، قصة شبح رجلٍ توفّي حديثًا يعود إلى المكان العزيز على قلبه وحيث تقطن من أحب.

كتب ديفيد لاوري نص الفيلم، مُحكّمًا لا وعيه بشكلٍ شبه كامل، مما جعله يُنهي الكتابة في يومين، والتي بدأت بعد جدالٍ بينه وبين زوجته حول الانتقال من المنزل الذي يقيمون فيه، هذا الجدال، فكرة الموت، وصورة الشبح المتجسد في ملاءة ذات عينين أثمروا عشر صفحاتٍ في أول يوم أصبحوا ثلاثين في الثاني، دون ملامح واضحة أو مفهومة حتى بالنسبة لـ لاوري نفسه، لكنه فقط أحب أن يُكمل حتى النهاية حتى يفهم. قد يبدو أن في ذلك أنانية كونه ليس الوحيد الذي سيبذل مجهودًا في ذلك، لكن جميع المشاركين علموا بضبابية الصورة ومضوا لثقةٍ مُستحقّةٍ بـ لاوري. وبمجموعة المشاهد المشابهة لومضاتٍ في ذاكرة واعٍ متعبٍ وحالمٍ مُستغرق، وكليهما الواعي والحالم شخصٌ واحد يسكن قلبه حبٌّ وعقله أسئلةٌ كثيرة وأزمةٌ وجوديّة وروحه استشعارٌ وتوقٌ لمجهول سيقضي فترة ما بعد وفاته في استكشافه.

إخراج ديفيد لاوري حميميٌّ حُرّ، من الصعب إيجاد لقطةٍ تُشعرك أنها مخططة الطول وسط كل هذه اللقطات الطويلة المتأملة، يبدو الأمر كما لو أنه لا ينتظر حدوث أمرٍ مُعيّن سواءً انتهاء فترة زمنية أو القيام بفعل أو حركة مُعيّنَين لإيقاف التصوير، ينتظر أن يُحس أن هذه اللحظة المناسبة، ليست المناسبة للانتقال إلى التالي أو انتهاء ما سبق، وإنما المناسبة لإنصاف الحالة الخاصة التي كانت ولا تزال أساس المشروع، لإنصاف الجزء الذي يقوم بتصويره منها، مما جعل إيقاع الفيلم يولد عضويًّا خلال المونتاج الحريريّ الذي لا يُمكن أن يقوم به إلا لاوري، والذي كان حرفيًّا كوضع النقاط على الحروف، فجأة وجد لاوري ساعةً ونصف انسكبت فيها حالته وجميع تساؤلاته المرافقة لها تتدفق بشكلٍ مثاليٍّ يجعله يتشارك ما اختبره مع الملايين، فجأة وقع كل شيء في مكانه الصحيح، من فكرة الملاءة التي ستُثير السخرية في الحالة الطبيعية وما ملكتهُ هنا من أثرٍ يملك القلب والروح ويستقر في الذاكرة، إلى اللقطات المستغرقة دون قيدٍ إلا الحس، وما أجمله من قيد، إلى شكل إطار الصورة المُضيف للخصوصية وحالة الضياع الناتجة عن أسرٍ غير مفروض، إلى رحلة بطليه عبر الزمن، الشبح والمكان الذي يُقيم فيه الشبح هُم بطليه.. رحلةٌ مثاليّةٌ كاملة من عمق اللاوعي إلى الوعي.

أداءات رائعة من كيسي أفليك وروني مارا، كليهما يجعلان خيار الاستغناء عن الحوار في معظم الأحيان مُضيفًا لجماليّة الفيلم، فقط تأمل هذين الوجهين، وبالنسبة لـ أفليك تحت الملاءة، ليس أقل تأثيرًا على الإطلاق، وذلك بفضل – بالإضافة لموهبته الكبيرة – تصميم عبقري للزّي من أنيل برودور قفز فوق كل الانطباعات المسبقة بخفة مثيرة للإعجاب. مع تصويرٍ مُشبِع جمالًا وحالة من أندرو دروز باليرمو تحس معه أنك ما كنت لتُريد للصورة أن تحوي ورقة شجرٍ إضافية ولا أن تُنقَص ورقة شجر، وموسيقى مُهيبة رائعة من دانييل هارت تحرص على أن لا يبقى في وجدانك ما لا يحتويه الفيلم.

حاز على 4 جوائز ورُشح لاثنتَين آخرتين. حتى الآن.

لا أنصح بمشاهدة تريلر A Ghost Story ، من المهم أن تُشاهَد كل لحظة في الوقت المناسب.

Maanagaram

“المدينةُ تروي قصص المارّة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج لوكيش كاناغاراج
المدة ساعتين وربع
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب بعض العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  لا يوجد
اللغة التاميلية
تقييم IMDB 8.3

س. ر. برابهو أحد المنتجين النادرين لدرجة استحقاقهم لمتابعة صحية وحماية أمنية للتأكد من استمرارهم في العطاء لأطول وقت ممكن. من بين الـ19 فيلمًا الذين أنتجهم هناك أربعةٌ عُدّوا إنجازاتٍ استثنائية في السينما التاميلية وثلاثةٌ منهم صنعهم أصحاب تجارب أولى منهم هذا الفيلم، وخمسةٌ كانوا من أفضل أفلام الأعوام التي صدروا فيها نقديًّا وتجاريًّا واثنين منهم أيضًا كانوا الخطوة الأولى لصنّاعهم. تميُّز برابهو ليس في حسن تمييز الأفلام القادرة على تحقيق الربح، وإنما في تمييز موهبة صناع الأفلام حتى لو لم ينالوا قبل اختياره لهم أي فرصة لصنع فيلم روائي، وفي إدارة الميزانية لجعل مخاطر المغامرة أقل ما يُمكن بحيث يستطيع منحهم تلك الفُرَص. حتى الآن لم يخض مغامرةً مع اسمٍ جديد لم تُجزَ بالنجاح الفنّي والجماهيريّ، وهذا الفيلم خيرُ مثال.

لمحة عن قصة Maanagaram
تجري أحداث الفيلم خلال أول 48 ساعة من وصول شابٍّ من بلدة صغيرة باحثًا عن مستقبلٍ في المدينة، والشاب وطيف واسع من الشخصيات الأخرى التي ستتقاطع طرقها ومصائرها خلال هذا الوقت يقومون بأدوارٍ مساعدة في فيلمٍ من بطولة مدينة تشيناي.

كتب لوكيش كاناغاراج نص الفيلم، واقفًا على الحد الفاصل بين التسيير لخدمة غايته، وبين التقاط مسير الحياة الحقيقي في تشيناي والذي ألهمه صناعة الفيلم، لكن باختيار ذكي لشخصياته بحيث يجعل كونها من هي مسؤولًا عن سلوكها مسارًا معيّنًا أو غيره ويُبعد تلاقيه مع غيره عن الإقحام، منح تلك الشخصيّات هوياتٍ حقيقيّة يتصرفون وفقها لا وفق رغباته، وعناية وحذر شديدين في نسج الخيوط الدرامية المتشابكة ولحظات تلاقيها بناءً على ما سبق، يجعل ذاك الحد الفاصل وراءه بينما هو في عمق واقع تشيناي. وإن بدأت بعض تلك الجهود بالتراجع بالقرب من النهاية في سبيل تقديم رسالة واضحة، أمرٌ يتعلّق غالبًا بكونها التجربة الأولى ومن الصعب المغامرة فيها بنهاية غير صريحة ستؤثر بشكل كبير على الحضور الجماهيري. لكن حتى طريقة وتوقيت ذاك التراجع معتنى بهما كونك حينها ستكون متعلقًا بالشخصيات وما يجري لها بدرجة أكبر من أن تسمح لك بالتذمُّر خلال المشاهدة.

خاصةً مع إخراج لوكيش كاناغاراج، الحريص على عدم إهدار أي دقيقة، حتى في ثواني عرضه عنوان الفيلم وأسماء فريق عمله يطوف المدينة راويًا ما يضيف للتمهيد، ليبدأ بعدها جولة الجري بين الخيوط شبه المتوازية بحيث يصل دومًا في اللحظة المناسبة التي تزيد ارتباطك بمن تشاهدهم ولهفتك بين ظهور كلٍّ منهم وغيابه لمعرفة خطوته التالية، أمرٌ سيجعل فيلمه يتداعى دون إدارةٍ كان على قدرها لممثليه ولما يقدمونه بحيث يفيد من أقصر ظهور لأحدهم في الأثر الحسي والمحافظة على إيقاع تدفّق الاحداث، مُديرًا لتحقيق كل هذا وببراعة استثنائية فريقًا ضخمًا من بعض أصحاب الخبرة، بعض حديثي العهد، والغالبية من أصحاب التجربة الأولى مثله، وعلى رأسهم مُديرَي التصوير والإنتاج ومؤلف الموسيقى التصويريّة والمونتير!

أداءات ممتازة من فريق العمل وخاصةً شْرِي الذي لم يستسهل مع دورٍ تقليديٍّ ظاهريًّا بل منحه وزنًا مربوطًا بما نراه منه بشكلٍ رئيسيّ لا ما نسمعه يجعله الأكثر استحقاقًا لاهتمامك، تصوير مُتقن يستشعر روح المدينة ليلًا ونهارًا من سيلفا كوما، مع حُسن توظيف للأصوات المحيطة، موسيقى تَزيد الإثارة وتُكثّف الإحساس مُضيفةً للمتعة من جافِد رياز، ومونتاج كان على قدر المهمة الصعبة المعقدة مع هذا الكم من الشخصيات والتشعُّبات من فيلومين راج.

تريلر Maanagaram

Margaret

“مارغريت، أتندُبين الخريف؟”

السنة 2011
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج كينيث لونرغان
المدة ثلاث ساعات
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والمشاهد الجنسية والعنف
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.5

قد لا يُلام منتجي هذا الفيلم في بادئ الأمر لكونهم منحوا كينيث لونرغان حُرّياتٍ إبداعيةٍ كاملة مع شرط بقاء مدة الفيلم في حدود الساعتين ونصف، صفقةٌ كهذه ليست بهذا السوء إطلاقًا، لكن المُشكلة أن هذه تجربة لونرغان الثانية فقط، لم يُصبح قادرًا على تقدير الوقت قبل البدء بالتصوير بهذه الدقة بعد، وحدث أن ملك أفكارًا تُنتج بعد التصوير والمونتاج أكثر مما تسمح به المدة، ولها في قلبه وعقله أكثر مما يسمح له (ولنا) بالتنازل عنها، مما أنتج سجالاتٍ استمرّت لستّ سنواتٍ تدخّل حتى مارتن سكورسيزي وشريكته المونتيرة الكبيرة ثيلما شونميكر لحلّها. وهُنا يُلام المنتجين، فبعد الوصول إلى النسخة الملتزمة بالاتفاق كان منهم أن قرروا الإنتقام من تمسُّك لونرغان برؤيته بإصدار محدود للفيلم في بضعة سينمات بحيث يتم تقنين انتشاره والإعجاب به وإن كان ذلك مقابل خسارتهم ما استثمروه في صناعته وبقي مُجمّدًا لسنوات. لكن احتلال الفيلم للمركز 31 في قائمة BBC لأفضل 100 فيلم لهذا القرن لا يبدو من علامات نجاح الانتقام، ولا تأكيد ميريل ستريبّ أن أداء بطلته مُستحِقٌّ لأهم التكريمات، ولا إطلاق حملة على تويتر من قبل القلّة الذين نالوا فرصة مشاهدته لإرفاق نسخة أطول مع صدور الديفيدي، وطبعًا، تحوله لملحمة دراميّة كلاسّيكيّة في وقتٍ قياسي مع خسارة منتجيه الملايين لم يكن جل المنى وراء إصداره المحدود. إن كان قلبُك قادرًا على استيعاب جيشٍ من العواطف، أسدِ لنفسك معروفًا وشاهد هذا الفيلم بساعاته الثلاث.

ليسا (آنا باكوين) مراهقةٌ في السابعة عشرة من عمرها تشهد مأساةً حقيقيّةً مُرعِبة بعد أن كانت أكبر مآسيها إيجاد إحدى قبّعات رعاة البقر، مما يُطلق داخلها سلسلة من الانفعالات ستطال نارها وآثارها كل من حولها.

كتب كينيث لونرغان نص الفيلم، عن فتاةٍ بين الجموع ومن تؤثّر وتتأثّر بهم، عن الجموع، عن نيويورك، أمريكا ما بعد أحداث سبتمبر، عن عالم المراهقين وعالم البالغين وماهية الانتقال من أولهما إلى الثاني وسببه، عن حقيقة التواصل، عن الوعي بمن حولك، والفن، وبضعة أمورٍ أُخرى. ولم يفعل ذلك لأنه شابٌّ متحمّسٌ متوتّرٌ لمنحه ميزانيةً لفيلمه الثاني تعادل أكثر من 11 ضعف ميزانية فيلمه الأول، فهذا النص بدأ قبل ذلك بكثير ونما وتشعّب بفضل حساسيّته للتفاصيل حوله وفيمن حوله، لذلك هو لم يكن مضطرًّا لمحاولة إدراج جميع تلك الأفكار الكثيفة، هي ببساطة موجودةٌ أصلًا حيث تجري القصة، وهو يرى من زاوية تتسع لأكثر من بطلٍ أو أبطالٍ وداعمين، تتسع للواقع. مما يُنتِج بنيةً مُعقّدة تفتح المجال لألف تخبُّطٍ واضطراب، خاصّةً مع كثرة الشخصيات ونية لونرغان أن لا تمر أيُّ واحدةٍ منها دون أن تكون مُكتملة النضج والاستقلالية التي لا تجعلها موضوعة من أجل أُخرى وتشارك في أثر الفيلم، وسهولة المُضي مع أحدها أكثر مما يجب والانزلاق في فخ التشتُّت أو العكس، لكن بشكلٍ ما يُحكم قبضته ويُنصف الجميع بمن فيهم نحن، وحين تطلب أكثر تطلبه لأنك أحببت وصدقت وتواصلت مع هؤلاء لا لنقصٍ في تقديمهم، لأنك مولعٌ بسماع حتى كلمةٍ إضافيةٍ واحدة من الحوارات العبقرية بغناها وواقعيتها الكاسرة للعظام (حسب التشبيه الذي أطلقه عليها لونرغان وبطلته مازحَين)، والتي تجعلك تُعيد النظر في أروع الحوارات السينمائية التي مررت بها في حياتك.

إخراج كينيث لونرغان يجعل كاميرته كعين الأم لشخصيّاته، لا يُريدُ أن يغيب عنه أحد، والجموع ونيويورك كما ذكرت من شخصيّاته، دومًا هناك تأكيد على أننا وهؤلاء لسنا وحدنا، حتى حين يكون أقرب إلى الوجوه ويتنقّل بين شخصيّاته يتنقل كعين مشاهد أوبرا يحفظها ويعشقها ويعلم الوجه الذي يجب أن يراقبه أو الحركة التي يجب أن يرصدها في لحظة معينة بغض النظر إن كان صاحب ذاك الوجه هو من يُغنّي في تلك اللحظة أم لا، يحفظها ويعشقها وليس فقط يحفظها، لذلك يكون حماسه مُعديًا والتوتّر على طرفي الشاشة متساويًا، أما الأوبرا ذاتها وهي هنا الحوارات فمُجرّد محاولة إدارتها تستحق التقدير، لكن لونرغان لا يُحاول فقط، هُنا ملعبه، مع كُل صعوبات التوقيت والتداخل والنبرة والوقفات والتردّد التي يكفي أي خطأٍ فيها للذهاب بمصداقية المشهد يستطيع إعادة خلق قِطَع من الحياة بصدق توثيقي استثنائي، صحيحٌ أنه أجرى بروفات لأربعة أسابيع قُبيل التصوير لكن ما شاهدناه لا يُحفظ، هناك صلة غريبة بينه وبين ممثليه تجعلهم يستكشفون مساحاتٍ في مواهبهم وتجاربهم الشخصية قد لا نتوقع وجودها ولا يتوقعون الإتيان بها أمام الكاميرا. وبالحديث عما لا نتوقعه، لم تشهد حادثةً أمام الكاميرا كالتي ستشهدها هُنا، ولن تتمنى تكرار ذلك. وبالحديث عن كل هذا، هذه تجربة لا تُنسى.

بأداءاتٍ لا تُنسى، من آنا باكوين التي أفادت من غِنى شخصيتها للمرور بطيفٍ من المشاعر المتضاربة في كثيرٍ من الأحيان بقُدرة على السيطرة على خروجها عن السيطرة تؤكد أنها كـ كيسي أفليك في “Manchester by the Sea” ركنٌ حمل الكثير من المسؤولية الجوهرية في أثر وفاعلية التجربة، وجيني سميث-كاميرون (زوجة لونرغان) وجيني برلين اللاتي حوّلن مشاهدهنّ مع باكوين إلى معارك أدائيّة هي الأصعب إدارةً والأكثر إثارةً. مع أداءات ممتازة من جميع أصحاب الأدوار الناطقة، تصوير مُتقن من ريشارد ليتشفسكي (المصور البولندي المُرشّح للأوسكار عن Ida)، وموسيقى تليق بشغف لونرغان بالموسيقى سواءً من نيكو موهلي أو من اختيارات لونرغان الكلاسّيكيّة.

حاز على 9 جوائز ورُشّح لـ17 أخرى.

لا أنصح بمشاهدة أي تريلر لـ Margaret لأنه سيُفسد الذروة التي ستُهيمن على جميع أحداثه.