أرشيف الوسم: 9/10

Personal Shopper

“عن الخوف والفقد والعزلة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج أوليفييه أساياس
المدة ساعة و15 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والإيحاءات الجنسية الصريحة
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.2

في نهاية العرض المبدئي لهذا الفيلم في مهرجان كانّ علت صيحات الاستهجان، وفي نهاية العرض الرسمي الأول في المهرجان ذاته كوفئ صُناعه بوقفة تقديرٍ مع تصفيق لأربعة دقائق ونصف وفاز الفيلم لاحقًا بجائزة أفضل مخرج. ما يدل عليه هذا الانقسام مع فيلمٍ كهذا في أغلب الأحيان هو التوقعات الخاطئة لنوعه ووجهته، في حين التحضير الأمثل يكون بمعرفة سينما مخرجه، أو بقراءة كلماته: “لا أعمل بشكلٍ واعٍ. أحب مناقشة أفلامي بعد انتهائهم، لكن أظن أنني حين أصنعهم أو أتخيّلهم أترك أفكاري تتدفق بحرية. أنا إنسانٌ غريزي، خاصةً بالنسبة للكتابة. أمَلُّ من السرد الكلاسّيكي للأفلام، أظن ان هناك مليون طريقةٍ لرواية القصص، وأنا أُجرِّب، محاولًا التواصل مع لاوعيي”، هذا ليس فيلم رعبٍ ولا غموضٍ ولا إثارةٍ ولا جريمةٍ ولا دراما، هذا ببساطة فيلمٌ لـ أوليفييه أساياس. رائعةٌ أخرى له.

لمحة عن قصة Personal Shopper
ماورين (كريستين ستيوارت) تعمل كمتسوّقةٍ خاصة لدى إحدى المشاهير دون ذاك الشغف بالمهنة، لكنها مضطرّةٌ للمتابعة فيها خلال إقامتها في باريس والتي ستستمر حتى تصلها الإشارة، تلك التي اتفقت وأخيها لويس التوأم الراحل منذ ثلاثة أشهر على أن يرسلها أول من يغادر منهم هذا العالم للآخر كونهم يتشاركان مرض القلب الذي كان سبب وفاة لويس.

كتب أوليفييه أساياس نص الفيلم، مُلاحقًا بطلته دون مُقدّمات، يمنحها كيانًا خاصًّا لا يعنيه كمية المعلومات التي تعرفها عنه وزيادتها أو تصحيحها، ويراقب النتائج، واستبدال رصد العالِم بمراقبة الفضوليّ هذا يجعل كل شيءٍ يحقق أثره الأقصى، خاصةً أن حال بطلته لا يحتاج للترجمة، عالميّ. كل هذا يجعل مروره بحال التواصل في عالم اليوم واستكشافه الفقد بعينٍ وجدت في الأماكن التي لطالما استُهلك فيها بكسل إحدى أقدس تجلياته يأتيان من روح ما يراقب دون أي تدخّلٍ ملموس.

إخراج أوليفييه أساياس يضعك في غرفةٍ مظلمةٍ هادئةٍ فيها وترٌ يُنيرُ حين يُضرب تجهل مكانه هو إيقاع الفيلم، وفي لحظاتٍ مدروسة يضرب الوتر ضربةً بمكانٍ وشدّةٍ معيّنين تزيد الصورة وضوحًا للحظاتٍ سُرعان ما تنتهي، ونعود إلى المداعبة الماكرة للوتر، وبين هذا وذاك لا تستطيع ترك تركيزك يُغادر حركة العازف المُتمكّن التالية، مما يجعل ضبط توقيت الانعطافات في النص غير مرئي، فأنت لا تنتظرها، لا وقت لديك لذلك في فيلمٍ يُصبح جهاز الآيفون الخاص ببطلته فيه شخصيةً رئيسيّة تتابعها بكامل الاهتمام والترقُّب. ومع تقديرٍ كبير وشغفٍ بموهبة نجمته التي نقضي الفيلم في عالمها ولا تغادر نظرنا يقطع سبُل العودة طالما مضيت في التجربة، فهي الممسكةُ بأحد طرفيّ الوتر.

مسؤوليّةٌ سُلّمت لها برضًى كامل منذ كان النصُّ فكرة، “في النهاية، لا أظن أنني كنت سأكتب الفيلم إن لم أتعرف إلى كريستين ستيوارت. المثير في العمل معها أنها تصنع شيئًا ذو مغزى من أي شيء. تطلب منها أن تنزع غطاء زجاجة أو تفتح ستارة، لتقوم بجعله سينمائيًّا على الفور، قد يكون بتعديلٍ في وقفتها. قد نصور مشهدًا ما وأرى كم استمرت اللقطة، فأجد طولها ثلاث دقائق في حين أُعدّت لتستمرّ لثلاثين ثانية”، هذه كلمات أساياس ولا أظن أنها بحاجةٍ لإضافة. وهذا مع تصويرٍ مُتقن يُقدّر حساسية غريزة أساياس وموهبة ستيوارت من يوريك لو سو.

حاز على 9 جوائز أهمها جائزة أفضل مخرج في مهرجان كانّ، ورُشّح لـ 3 أخرى أهمها السعفة الذهبيّة في مهرجان كانّ.

تريلر Personal Shopper

Alice in the Cities

“هنا بدأ كل شيء”

السنة 1974
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج فيم فيندرز
المدة 110 دقيقة (ساعة و50 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي)  Not Rated
اللغة الألمانية
تقييم IMDB 8.0

بعد إخراجه أول فيلمين روائيين اعتبرهما شبه خاليَين من الأصالة ومعتمدَين على تأثّره بـ وحبه لـ جون كاسافيتس وألفريد هيتشكوك، ودخوله إنتاجًا تاريخيًّا ضخمًا في وقتٍ مبكّر مع فيلمه الثالث “The Scarlet Letter” لتكون النتيجة تجربة مأساوية، وصل الألماني الشاب فيم فيندرز إلى شبه قناعة بأنه يجب أن يترك صناعة السينما. لكن خلال إحدى أيام مونتاجه لـ”The Scarlet Letter” وصل إلى مشهدٍ بين روديغر فوغلر والطفلة يِلّا روتلاندر تمنّى لو استطاع جعل الفيلم كاملًا بروعته، خاصّةً بترافقه مع أغنية “Memphis” لـ تشاك بيري التي تتردد في ذهنه منذ الصباح، وولدت فكرة: “ماذا لو صنع فيلمًا بالفعل كذاك المشهد؟!”، فيلمًا بصوتٍ لا يُشبه إلا صوته. وكان Alice in the Cities، وبدأ مشوارًا سينمائيًّا تاريخيًّا فريدًا كُرِّم في كل محفل.

لمحة عن قصة Alice in the Cities
بعد مقابلة عدة نهايات مسدودة في الطريق إلى كتابة مقالٍ عن الولايات المتحدة ودخوله في حالة من العزلة، يقرر الصحفي فيليب (روديغر فوغلر) العودة إلى ألمانيا، لكن بصدفةٍ غريبة يصبح مسؤولًا عن طفلةٍ ذات تسع سنوات تُسمّى “أليس” (يِلّا روتلاندر) تقتحم عزلته وتقوده في رحلةٍ لا تُنسى.

كتب فيم فيندرز وفيث فون فرستنبرغ نص الفيلم، بدايةً، لكن مع الكيمياء الرائعة بين بطليهما وتميُّز موهبتيهما آثر فيندرز الارتجال في معظم الأحيان، مستندًا إلى أساسٍ متين مكوّنٍ من شخصيّاتٍ ناضجة واضحة العناية بالإعداد لإفساح المجال لتقديمٍ بصريٍّ ذكيٍّ وسلس يروي الكثير دون كلمات، وغاياتٍ تُختبر ولا تُختصر، مما يجعلها داعمةً للارتجال لا مقيدةً له طالما أُحسنت تهيئة البيئة المناسبة للتفاعل بين البطلين، وهذا أكثر أمرٍ استُعرضت فيه فردية حساسية فيندرز، مُقدّمًا لنا بالنتيجة شخصية طفلةٍ تاريخيّةً وقتها وحتى الآن، أليس ليست طفلةً ظريفةً بريئة، أليس شخصٌ كامل.

إخراج فيم فيندرز يستمتع بما حُرِم منه في فيلمه التاريخي السابق لدرجة تأكيده أنه لن يصنع بعد ذلك فيلمًا لا يُسمح فيه بظهور سيارة، محطة وقود، تلفاز، أو صندوق موسيقي، ليس بالضرورة لأنه يحبهم، لكن لأنه ابن عصرهم ويفهمهم، يُتقن تحميلهم أفكارًا وكلماتٍ ومشاعرًا كما لا يستطيع غيره، بكل ما فيهم من أسباب العزلة والاستهلاكيّة، وأسباب المتعة وتقصير الطريق إلى الجمال. ووسط تأمُّلٍ واستغراقٍ آسر في تفاصيل العصر تلك، يرصد علاقةً إنسانية تقودها طفلة في رحلةٍ تصل قارّتين. منذ ظهور أليس في اللقطة الأولى تستلم القياد، لا لتأخذه وتأخذنا عبر تجربة مغادرتها الطفولة كما اعتدنا من بداياتٍ كهذه، هي ما زالت طفلة، لكنها فقط ذات شخصية غنية مثيرة مصدرها الحقيقة لا الكمال، تحب المغامرة، وتحب الصحبة. وشخصيةٌ كهذه جعلت الربع الأول من الفيلم الذي يقضيه فيليب وحيدًا مليئًا بمتوالياتٍ تُختتم بتلاشٍ بطيء وكأنه خارجٌ عن الإرادة، فما فيها بالنسبة لـ فيليب يفقد قدرته على العبور إلى الذاكرة بعد وقتٍ وجيز، ويتحول إلى ومضات. على عكس تجربته مع أليس. وعلى عكس تجربتنا مع الفيلم التي وإن كانت مضبوطة الإيقاع بحيث نتذوق جمالها كاملًا، إلا أننا لا نكتفي ونميل لا شعوريًّا للاحتفاظ بروعة أكثر ما يمكن من الصور التي نشاهدها في الذاكرة.

أداء رائع من الطفلة يِلّا روتلاندر يصل بنا إلى درجة من الولع بملامحها تقابل ولع كاميرا فيندرز في وقتٍ قصير، ليس فقط لظرافتها أو براءتها، بل لما تحمله من معانٍ تُكثّف أثر التجربة. أداء ممتاز من روديغر فوغلر لا شك أن له دورًا كبيرًا في استثارة ما شاهدناه من روتلاندر. مع ظهور سهل الاستحواذ على الانتباه المُستحق من ليزا كروزر، تصوير جعل الفيلم من أكثر معارض الصور الملونة بالأبيض والأسود سحرًا من سيد النور روبي مولر خاصةً مع حركته الطافية، وموسيقى تركزت في ثيمة موسيقية تنعش القلب في كل ظهور من كان.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Alice in the Cities (حتى إن وُجِد).

Phantom of the Paradise

“لعشاق القراءة والموسيقى والسينما!”

السنة 1974
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج برايان دي بّالما
المدة 92 دقيقة (ساعة و32 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من رعب دموي
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.4

هذا الفيلم سار في الاتجاه المعاكس، وعى الجماهير قيمته قبل النقّاد الذين هاجموه وقت صدوره، ليبدأوا بعد سنوات باستيعاب الجرعة المكثفة من الفن والاحتفاء بالفن ومختلف الأنواع السينمائية التي قدمها برايان دي بّالما فيه، خلال ساعة ونصف. الاحتفاء ذاته الذي سيصبح محل إعجاب في أعمال تارانتينو بعد عشرين عامًا تعلم خلالها نقاد Phantom of the Paradise من خطئهم متأخرين.

وينسلو ليتش (ويليام فينلي) موسيقيٌّ مؤلّفٌ وعازفٌ ومغنٍّ على وشك إنهاء عمله على قصة موسيقيّة غنائيّة مستندة إلى أسطورة فاوست الألمانية التي يبيع بطلها روحه للشيطان، يقدّم مؤلفاته لمنتجٍ موسيقيٍّ يُسمى “سوان” (بول ويليامز) في مقابل وعدٍ زائف تقوده معرفة حقيقته إلى طرقٍ مظلمة لاسترجاع ما سُلب منه.

كتب برايان دي بّالما نص الفيلم، بإتقانٍ قارب الذروة لما بدأه في تجاربه السينمائيّة الأولى، فهنا، لم يتخل عن حرية الذهاب لأي ميدانٍ يريد استكشافه، رؤيته لـ فاوست، ولعُه بصورة دوريان غراي المرسومة بكلمات أوسكار وايلد، إثارة ظلامية حكاية “شبح الأوبرا” الذي لم يتوقف عن زيارة السينما بين فترةٍ وأخرى بحلةٍ جديدة وتقديره لزياراتٍ محددةٍ له، الموسيقى التي كانت دافعه الرئيسي لكتابة النص حين سمع في أحد المصاعد إحدى روائع البيتلز وفوجئ بانعدام تقدير الأغنية لدرجة استخدامها بهذا الشكل، فردية الفنان في وسطٍ يُجرّم الفرديّة، العرفان بالجميل لبعضٍ من أهم روائع الرعب والجريمة وصناعها بين “كابينة الدكتور كاليغاري” وروبرت فاينه، “لمسة شر” وأورسون ويلز، إلى “سايكو” وألفريد هيتشكوك. لكن رغم كل هذه الحرية، تنسجم جميع النقاط والخطوط بسلاسة وتضيف كلٌّ منها للأخرى وترتقي بأثرها، مشكّلةً بالفعل قصةً واحدة لا يثقلها الغنى بل يزيد من جاذبيتها وحب العودة إليها أكثر من مرة، خاصةً مع شخصياتٍ استثنائيّة تُحب صحبتها الذاكرة بغرابتها وظلاميتها واستثارتها للفكر، وحواراتٍ جذّابة، السوداويُّ منها والدّيبّالمي السخرية.

إخراج برايان دي بّالما طاقةٌ معديةٌ مُذهلة، يتحرك بخفة بين الموسيقي الغنائي والرعب والكوميديا والفانتازيا، بين السوداوية وتدفّق الشّغف والعاطفة الذي سيفطر قلب كل مبدع، وبين احتفاءٍ عبقري التوقيت والانسجام بفن أحد صناع السينما الذين يحترمهم وآخر. ألوان كلاسيكيات الخمسينات والستينات الغنائية مع تعبيريّة رعب السينما الألمانية وروبرت فاينه ترسم القصة المصوّرة لتشويه بكريّةِ فنٍّ وروح مبدعه، في عالمٍ غرائبيٍّ باذخ يمنح القصة حالةً خاصّةً وأجواءًا فريدة، وتتسلل إليه سخرية دي بّالما في ملامح تشوُّه ذاك العالم، مختارًا دومًا الزاوية الأمثل للمس كل هذه التفاصيل وتكثيف أثرها، خاصةً بقدسية تقديمه للشخصيات ولحظات الانعطاف في تطورها، من اللقطة الدائريّة المحبة للشغف الذي تلتقطه في ظهور وينسلو الأول مع البيانو على المسرح، إلى هدوء رصد لحظات اكتشافه لحقيقة الوعد، تحول الكاميرا للحاق بثورته بتوتُّرٍ حركي ومونتاجي، العودة إلى الهدوء مع تسلل الظلامية إليه لجعله منذرًا بما يستحق الترقُّب، ثم رصد الجنون بجنون في نهايةٍ ملحميّة.

أداء رائع من ويليام فينلي لَم يكتفِ بكون ملامحه تجعله الخيار الأمثل (فمن يُمكن لإحدى عينيه أن تملك السلطة التي ملكتها عين فينلي هنا)، بل أفاد من إتقان رسم الشخصية ولحظات تطورها التي تقود لمنعطفات حادّة لجعل شخصيته الأكثر حقيقيّةً في عالمٍ فانتازيّ الشكل، أداء لا يقل عنه من بول ويليامز بطريقة كلامه ولكنته يجعل الهالة التي يضيفها دي بّالما على ظهوره مُستحقّة، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل مفيدة من كل فرصة وخاصةً جيسيكا هاربر التي استطاعت أن تكون آخر ملامح الجمال في هذا العالم.

تصوير جعل التعاون السينمائي الوحيد هذا بين دي بّالما ومديره لاري بّايزر لا يُنسى بحركته المضبوطة حتى في لحظات جنونها والألوان الساحرة وعدم تفويت أي لحظة تميُّز في الأداءات، تصميم إنتاج قوي الحضور في أثر التجربة من جون فيسك، وموسيقى وصلت من الروعة لحد اعتبار البعض أن مبدعها بّول ويليامز هو المؤلف الثاني للفيلم، خاصةً بأثرها الجوهري في خلود العمل ونمو قاعدة المهووسين به عبر أربع عقود، دورها في ضبط الإيقاع، وجعلها شريط الصوت يروي القصة بصوتٍ واحدٍ مع الصورة مما أنتج ساعة ونصف يصعب تصديق أنها مضت حين تمضي.

حاز على 3 جوائز ورُشّح لـ 5 أخرى أهمها الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Phantom of the Paradise لما فيه من حرق لأحداثه.

Nobody Knows

“يخز القلب ثم يقبض عليه بحنان”

السنة 2004
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج هيروكازو كوريدا
المدة 141 دقيقة (ساعتين و21 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب حساسية الموضوع
الإرشاد العائلي (أميركي) PG-13
اللغة اليابانية
تقييم IMDB 8.1

يمكن اعتبار هذا الفيلم اختبارًا لمعرفة مقدار ما يمكن أن تحتمله من الألم، واختبارًا لمعرفة مقدار ما لم تزل محتفظًا به من تفاصيل طفولتك التي تفيض شاعريّةً وسحرًا لم تملك حينها الكلمات المناسبة لوصفها، لم تملك إلا وقعها في نظراتك وملامحك. كيف ذلك؟، لا أعلم، الجواب في الفيلم، لا في كلماتٍ عنه.

ملخص قصة Nobody Knows
أكيرا
(يويا ياغيرا) فتًى بعمر الثانية عشرة ينتقل مع أمه إلى منزلٍ جديد وحيٍّ جديد، مصطحبين سرًّا إخوته الصغار كيوكو (آيو كيتاوراشيجيرو (هِيَي كيمورا)، ويوكي (موموكو شيميزو)، كي لا يواجهوا صعوباتٍ في تقبُّل أهل الحي لتجمُّع أطفالٍ كهذا. لكن هذا الانتقال لا يغير شيئًا من أمر غياب الأم لأيام بين فترةٍ وأخرى بسبب عملها، بل وتصبح الأيام أطول، ومسؤولية أكيرا أكبر.

بناءً على قضية سوغامو كتب هيروكازو كوريدا نص الفيلم، لكن ليس بالشكل الذي نألفه، فعند كوريدا هناك نصٌّ قبل التصوير، ونصٌّ آخر يظهر بعد نهاية التصوير هو ما وصل إلى المنتج النهائي، خاصّةً لدى العمل مع أطفال يريد استغلال تلقائيّتهم وجعل أصل الكلمات شفاههم أكثر منه قلمه، وبقدر ما تبدو هذه العمليّة خطرًا على الوجهة، بقدر ما تصبح هنا مكرّسةً لها، فالشخصيّات والمواقف الناتجة تنضح بالحياة، وخط سير القصة متوازنٌ صعودًا وهبوطًا دون لحظة إقحامٍ واحدة لتحقيق ذاك التوازن، والكلمات أصدق من أن تكون مُعدَّةً مسبقًا.

إخراج هيروكازو كوريدا يترك الثلاثين عامًا الماضية من حياته جانبًا ويعطي للعشرة الأولى السلطة الكاملة، ومن وجهة نظر كوريدا الصغير المتأملة تتدفّق تفاصيلٌ نحنُّ لصفاء الذهن الذي كان يسمح لمثلها أن يشغلنا ويلهب فضولنا، نحنُّ لزاوية الرؤية المنخفضة التي نراها منها والتي تجعل العالم أوسع وأغنى من أن يتوقف عن إثارتنا. طلاء الأظافر وبقاياه، البيانو الصغير، الرسم والألوان، الكتابة بالإصبع على زجاجٍ رطب، عد دقائق انتظار الوجبة الساخنة ريثما تبرد، ادخار الحلوى والحبة الأخيرة منها، يوم النزهة ومغامراته، رائحة الأم إن غابت، وتفاصيلٌ لا تنتهي حاملةً نضارة روح الطفولة وبراءتها. ورغم كل هذا، يضطر آسفًا لأن لا يترك البالغ فيك يذهب بعيدًا، برصده ما قبل الوعي والانتقال منه إلى الوعي، وأثر الموقف في كل مرحلة، واخزًا قلبك بخفة في البداية، ثم قابضًا عليه بهدوء وبيدٍ دافئة لينزف ببطء مع تداعيات ما سبّب الوخزة، والمرصودة بذات البراءة والولع بالتفاصيل، دون أي تدخّلٍ يفسد صدقها سواءً كان بتوجيه العاطفة أو بالتلاعب بكثافتها، دون السماح للفيلم بأن يكون مجرد انتقالٍ من هذا إلى ذاك أو تصريحٍ حول من يجب لومه، ومع ضمان فاعلية كل ما سبق بالمعجزات التي يحققها مع ممثليه الأطفال وحصوله على تلقائيّةٍ وصدقٍ يسلبان مفاتيح قلوبنا منذ أولى لحظات ظهورهم.

أداءات رائعة من الأطفال تتجاوز كونها أداءات إلى كونها لحظات وانفعالات حقيقية حدث أن رصدتها الكاميرا، خاصةً يويا ياغيرا بسعة طيف العواطف التي يمر بها عبر مراحل تطور الشخصية، والتي يواجه المشاهد نفسه مشكلةً حقيقية في احتمالها. تصوير مُتقن مُحب للتجربة ومساحات الإبداع التي تتيحها من يوتاكا يامازاكي، وموسيقى بسيطة رقيقة من غونتيتي تشكل خير رفيق.

حاز على 13 جائزة أفضل ممثل في مهرجان كانّ لـ يويا ياغيرا ليصبح أول ممثل ياباني ينالها وأصغر فائزٍ بها في التاريخ، ورُشّح لـ 10 أخرى أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كانّ.

تريلر Nobody Knows

Nayakan

“العرّاب الأول والأهم في مسيرة ماني راتنام”

السنة 1987
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج ماني راتنام
المدة 145 دقيقة (ساعتين و25 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) Not Rated
اللغة التاميليّة
تقييم IMDB 8.8

قلائلٌ من أتقنوا حل المعادلة الصعبة التي تكسب الجماهيرية بالحد الأدنى من المساومة الفنّيّة، ومنهم بلا شك رائد السينما التاميليّة ومن جعل صدى صوتها يبلغ كل أنحاء العالم ماني راتنام. فمثلًا، حين صنع راتنام عرّابه الخاص هذا – الآتي من صلب الواقع الهندي والمستند إلى القصة الحقيقية لـ فاردا بهاي – حقق نجاحًا تجاريًّا كبيرًا وكسب قاعدةً شعبيةً لم تتوقف عن التوسع منذ ثلاثة عقود، وجعل قائمة مجلة تايم لأفضل 100 فيلم في التاريخ تجمعه ورائعة فرانسيس فورد كوبّولا، كما دخل به المراكز الـ 15 الأولى في قائمة صحيفة الفنون المتحركة السينمائية لأفضل الأفلام. كل هذا حققه بواحدٍ فقط من أفلامه، وهذا ليس أبعد مدًى وصل إليه.

لمحة عن قصة Nayakan
فيلو نايكر
(كمال حسن) خسر أباه فتًى ليكسب راعٍ وأخًا وأختًا احتضنوه حتى الشباب، لكنه حين فكر برد المعروف بالحصول على حق مَن رعاه مِمّن يعمل لصالحهم وجد ردات فعلٍ أكبر وأخطر بكثيرٍ مما تخيّل، مما سيدفعه في طريقٍ لا يسمح لسالكه بالعودة.

كتب ماني راتنام نص الفيلم مع مشاركة بالاكوماران في صياغة الحوارات، مُحسنًا بناء ظروف ولادة أسطورة بطله بما يتفق وواقع أحياء الفقراء الاجتماعي والسياسي، بناء الأسطورة نفسها بالحب والدفء والقسوة والدم، واختيار الشخصيات بحيث لا تترك وراءها الكثير من الأسئلة حول دوافعها ويكتمل بها استكشاف واقع الأحياء الفقيرة. لكن للأسف، كل ما يتلو ولادة العرّاب يعاني من قصورٍ هنا أو هناك يؤخره عن بلوغ ما يرغبه، قصورٌ لا يترك الكثير من الفرص للأسئلة بعد المشاهدة لأنه قضى وقتًا في التأكيد على إجابات معظمها أكثر مما يجب. فشخصيّة العراب بكل الفرص المتاحة لجعل إثارتها للجدل أيقونيّة تؤخذ تقريبًا في مسارٍ واحد مكوّنٍ من دوافع دون نتائج لا يحتاج كل الوقت الذي استغرقه، مما يجعل المرور المتواضع على باقي الشخصيات غير مبرر لكونها أحق بجزءٍ كبيرٍ من ذاك الوقت، خاصةً شخصية مفوض الشرطة في النصف ساعة الأخيرة.

إخراج ماني راتنام يجبرك على أن تذكر قصته طويلًا، يعلم كيفية ضبط الزمن الأمثل لتحقّق اللحظة أو المتوالية الدرامية أكبر تأثير، مع الدقة في العناية بالتفاصيل التي ستشغل ذاك الزمن. فيلو والمفتّش (وإن أضر مونتاج الصوت المتواضع بالمتوالية بعض الشيء)، الرقص تحت المطر، الموت تحت المطر، الإطار داخل الإطار وموضع النور من الاثنين، الدفء والمَنَعة داخل منزل فيلو، الألوان التي اختارها بحيث توازن بين الواقعية والشاعرية، وأمثلةٌ كثيرة للذكرى، وبمركزيّة بطله وكونه أفضل من يستغل لحظاته أمام الكاميرا يملك راتنام – المشهور باختياراته التي لطالما نالت الثناء لممثليه – الإيقاع السردي والحسي ومعه قلوبنا، ويجعل من الصعب لمس مواضع القصور المذكورة في النص طوال فترة المشاهدة.

أداء رائع من كمال حسن لم يفوت فرصةً لا يُقربك فيها أكثر من فيلو وينقل إليك فيها كل حس مهما بلغ تعقيده، مع أداءات جيدة من باقي فريق العمل ضمن المساحة المتاحة، تصوير مُتقن من بـ.سـ. سريرام بحساسية ملموسة لقلب اللحظة وكيف يجعله مرئيًّا حتى في تجوال كاميرته ورقصها، وموسيقى تزيد جاذبية الاحتفاظ بالذكريات التي يصنعها راتنام من إيلاياراجا وخاصةً الثيمة الرئيسية التي تجبر ذاكرتك على تركيب أجمل قطعة مونتاجية ممكنة من مختلف لحظات الفيلم لتستحضرها كلما مرت على أذنيك بكل ما يصحبها من دفءِ ووحشة يترافقان بسلاسة ساحرة.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Nayakan لما فيه من حرق لأحداثه.

?What Ever Happened to Baby Jane

“المبارزة التمثيليّة الأشهر”

السنة 1962
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج روبرت ألدريتش
المدة 134 دقيقة (ساعتين و14 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من رعب نفسي
الإرشاد العائلي (أميركي) Approved
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 8.1

أعاد هذا الفيلم إحياء مسيرتي نجمتيه، وبدأ نوعًا فرعيًّا جديدًا في الرعب أعاد جيلهما إلى دائرة الضوء في زمنٍ كان الأقسى على من غادرهن شبابهن، منح الأسطورة بيتي ديفيس ترشيحها الحادي عشر والأخير للأوسكار، منح مخرجه روبرت ألدريتش ترشيحه الوحيد لسعفة كانّ الذهبية والأول بين اثنين لنقابة المخرجين الأمريكية، وخلق قاعدةً شعبية آخذة في الاتساع منذ صدوره منذ أكثر من نصف قرن، والقاعدة الشعبية قلما تذكر أسماء من وراء الكاميرا كما تذكر من أمامها، وفي حالة هذا الفيلم بالذات من الصعب لومهم، فحين يجبر التقدم بالسن بيتي ديفيس وجوان كرافورد اللاتي لم ترق إحداهما للأخرى طوال عقود على الاجتماع أمام كاميرا واحدة ستكون النتيجة تحول المخرج لِحَكَمٍ بصافرة أكبر آماله أن ينجو من المعركة.

بيبي جين هودسون (بيتي ديفيس) نجمةٌ طفلة راقصة ومغنية سابقة حققت نجاحًا إعجازيًّا لم يرافقها كثيرًا بعد انقضاء أيام الطفولة، وبلانش هودسون (جوان كرافورد) نجمةٌ سينمائية شابة سابقة ما زال ميراثها السينمائي يحمل اسمها إلى كل جيل، يجمعهما الزمن في بيتٍ واحد ترعى أولاهما الأخرى بعد إصابتها بما أنهى مسيرتها التمثيلية، دون أن يكون الحب أحد أسباب تلك الرعاية. يومًا بعد يوم تبدأ كلٌّ منهما بملاحظة بوادر وصول الأخرى إلى أقصى احتمالها، وتبدأ كل ٌّ منهما بالنتيجة بالبحث عن سبيلٍ لا تكون فيه الخاسرة.

عن رواية هنري فاريل كتب لوكاس هيلر نص الفيلم، ببدايةٍ تمهيديّة يعيبها القفز وفرض النتائج غير البسيطة، مما يجعل تخصيصه كل ما يتبع ذاك التمهيد لآخر مراحل تطور العلاقة بين أختين في ستيناتهما وخاصةً بما تتميز به من تطرُّف تترك فراغاتٍ بارزة، من جهة أخرى قدم ما يستحق الثناء في تصوير تلك المرحلة وتداعياتها النفسية بتتابعاتٍ بسيطة لكن فعّالة.

إخراج روبرت ألدريتش يتقن إحاطتك بأجواء فيلمه بحيث لا يبقى لتلك الفراغات أهميّة، فأنت تعيش الحالة وبالتالي تحسن فهمها وإن فاتك ما سبق وصولك، تعيش التوتر الذي كبُر بين أرجاء ذاك البيت المُسن، وعلى عكس صحة وملامح ساكنتيه زادته السنين قوةً وشبابًا. يُفيد من جريان الغالبية العظمى من الأحداث بين جدران هذا البيت في التضييق على ذاك التوتر بحيث يبقى إنذار الانفجار حاضرًا، ويستغل هيمنة حضور بطلتيه ومعركتهما الأدائيّة لخلق إثارةٍ استثنائية بين كل لقاءٍ ولقاء بينهما، وخلال اجتماعهما الحابس للأنفاس. أشك أن ألدريتش عرف الراحة خلال عمله على هذا الفيلم، ولا يجعلنا بالنتيجة أفضل حالًا منه بجعل صدى الصراع وراء الكاميرا يتجلى أمامها.

أداء مُخيف من بيتي ديفيس لا يعيبه تطرُّفه المنسجم مع طبيعة الفيلم بل يزيد أثره قوة، لا تظهر في لحظةٍ تسمح فيها بأن لا تكون عيناك على اتساعهما، وتروي بملامحها ما فاتنا من تلك العلاقة التي بلغت الهاوية. كذلك جوان كراوفورد رغم أن طبيعة دورها أقل استعراضيةً من دور ديفيس إلا أنها لا تفوت فرصةً تثبت فيها أنها لا تقل استحقاقًا للاهتمام والإعجاب. وما كانت تلك الأداءات لتبرز بهذا الشكل دون تصويرٍ أنصف روعتها من إرنست هولر وأكد على سحر الأبيض والأسود، مع موسيقى قوية الحضور والمشاركة بالأثر من فرانك دي فول.

حاز على جائزتين أهمهما الأوسكار لأفضل تصميم أزياء لفيلم بالأبيض والأسود، ورُشح لـ11 أخرى أهمها أربع أوسكارات لأفضل ممثلة بدور رئيسي (بيتي ديفيس)، أفضل ممثل بدور مساعد (فيكتور بوونو)، أفضل تصوير لفيلم بالأبيض والأسود، وأفضل صوت.

لا أنصح بمشاهدة تريلر ?What Ever Happened to Baby Jane لما فيه من حرق لأحداثه.

Watchmen

“ليس الرب من يجعل العالم بهذا الشكل. نحن من نفعل”

السنة 2009
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج زاك سنايدر
المدة 215 دقيقة (ثلاث ساعات و35 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والمشاهد الجنسية والعنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.6

“إن Watchmen كالموسيقى التي تشعر أنها أُلّفت لك. “هذه أغنيتي، لا أحد يفهمها إلا أنا”. لهذا قاعدته الجماهيرية متعصبة جدًّا، لأنهم يأخذونه على محمل شخصي. الفرق بين Watchmen والقصص المصورة المعتادة هو أن تلك القصص تنقلك إلى عالمٍ حيث يمكن فهم وجود بطلها، بينما Watchmen يعالج الأمر بطريقة أخرى، هو تقريبًا يفرض أبطاله على عالمك، مما يغير كيفية رؤيتك لهذا العالم. هنا عبقرية الكتاب، وهذا ما حاولنا فعله في الفيلم”، وهذا ما نجح فيه زاك سنايدر صاحب هذه الكلمات ومخرج هذه الرائعة.

لمحة عن قصة Watchmen
مضى الآن ست سنوات على صدور القانون الذي وضع نهاية لمغامرات الأبطال المقنّعين، والذين شكّلوا فريقهم الرسمي الأول عام 1939 وملكوا تأثيرًا كبيرًا على مجريات التاريخ والسياسة العالمية في قرابة النصف قرن التالي، كحرب فييتنام والحرب الباردة التي تقترب بشكل خطير من التحول إلى حرب نووية. لكن رورشاك (جاكي إيرل هايلي) الوحيد بين المقنّعين الذي تابع مسيرته حتى دون دعم القانون يشعر بأن هناك من لم يكفه انحلال الفريق وتوقف نشاطه ويريد تصفية أعضائه، وذلك إثر جريمة قتلٍ استهدفت أحدهم ولا يستطيع القيام بها إلا المالك لقدرات غير عادية.

عن القصة المصورة Watchmen التي كتبها آلان مور (كاتب V for Vendetta أيضًا) وأبدع صورها ديف غيبنز كتب ديفيد هايتر وأليكس تسي نص الفيلم، وبالنظر إلى تاريخ الكاتبَين ومكانة القصة المصورة تميل بشكل تلقائي للاعتقاد بأن مور وتسي هما أكبر مصدرين لاستثنائية النص، لغناه بشخصيات ذات غموض جذّاب، بعيد عن الزيف، ويستحق رحلة استكشاف ما ورائه، والتي تأتي دومًا بما يُضيف لتميز تلك الشخصيات واهتمامنا بقراراتهم ومصائرهم، أمرٌ لا يكون بذات الدرجة من الاهتمام بالنسبة للشخصيات النسائية. وهذا ضمن بُنية مستندة إلى تفاصيل كثيفة مُعتنى بتوزيعها واستعراضها بين الماضي والحاضر، ومتطلبة لحد أدنى من النشاط الذهني خلال المشاهدة قد ينفر منه البعض، في حين سيكون أكبر عامل جذب بالنسبة للبعض الآخر، خاصةً بالحوارات التي تحمل دومًا أسفًا على ماضٍ وألمًا لا يبدو أن مستقبله سيكون أفضل من حاضره، وتوسع مجالَي الرؤية والتفكير واللذَين أصبحا تحت سلطة عالم مور بالكامل.

إخراج زاك سنايدر جريء، مُغامِر، ويشعرك بالحسرة على ما يمكن أن نشاهده منه إن أتيحت له الحريات التي أتيحت له حين صنع هذا الفيلم، حريّاتٌ ما كان لينالها لولا النجاح التجاري المدوّي لفيلمَيه السابقين، ولن ينالها بعد عدم تحقيق Watchmen نجاح سابقّيه في شبّاك التذاكر، وهو أمرٌ طبيعيّ، الكثيرون ليسوا جاهزين لفيلم قصص مصورة بهذه الظلامية، الجدّيّة، والغنى الفكري المتطلّب. صحيحٌ أن محاولات سنايدر للقبض على ما يمكنه من روح الأصل وكثافته واضحة بمستوى التعقيد غير الاعتيادي للسرد، لكنها محاولات ناجحة في الغالبية العظمى إن منحته ما يستحقه من الاهتمام والتركيز، أمرٌ لن تكون لك سلطةٌ عليه في البداية بأسر سنايدر لك بعالمه وفرضه على عالمك، لكنك ستبدأ باسترجاع تلك السلطة بحكم العادة التي تميل لكون الأفلام – أو هذه الأفلام تحديدًا – فقط لتمضية الوقت، مما يجعلك تطلب تسارعًا أكبر ومدة عرضٍ أقصر، طلبٌ لن يُلبّى هنا لحسن الحظ، فـ سنايدر يحترم الأصل، ويجبرك على احترامه، بمونتاج البداية التقديمي العبقريّ بكم ما يضغطه مُعدًّا فيه أساسًا متينًا يبني عليه ما سيأتي، ظلامية الصورة الساحرة والعناية الكبيرة بتفاصيلها، الإيقاع المهيب المضبوط بانتقالات سلسة ومجددة للاهتمام والتركيز بين وجهات النظر، وإدارة واستغلال رائعين لفريق ممثليه يجعل من الصعب جدًّا ذكر أحدهم أمامك بعد المشاهدة رغم طول وكثرة شخصيات الفيلم دون أن تذكره جيّدًا. قد لا يخلو الفيلم من لحظات كشف بين الاعتيادية والتي تتأخر عن تحقيق أثرها المرجو، لكن بوضعها مع الكل يغيب جزءٌ كبير من سلبية أثرها إن وجد.

أداءات ممتازة ومحققة أعلى فائدة من مساحات ظهورها صغرت أو كبرت وخاصةً من باتريك ويلسون وجاكي إيرل هالي، تصوير مُتقن من لاري فونغ، وموسيقى ذات دور مهم في إحاطتك بحالة وأجواء الفيلم من تايلر بيتس.

تريلر Watchmen

Lost Collar of the Dove

“يلهثُ الناس خلف حلمٍ ثم يلقونه ولا يعرفون”

السنة 1991
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج ناصر خِمير
المدة 86 دقيقة (ساعة و26 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية
تقييم IMDB 7.2

بدأ التونسيّ ناصر خِمير ثلاثيته التي تُعد من أثمن الجواهر في تاج السينما العربية بباحثينَ عن كنزٍ لا يدركون ماهيته وما يحمله طريقه لهم، في حين عرف مشاهدوا الفيلم أن الكنز هو اكتشاف خِمير نفسه والطريق غير المألوف الذي ابتدعه بسينماه مُفيدًا من هويته المرتبطة بالأساطير والحكايا وقصص ألف ليلةٍ وليلة، واستمرت ثيمة البحث محورًا لخطاه القادمة، وهنا، يبحث خمير عن معنى الحب.

حسن (نافين تشودري) طالبٌ خطّاط شغلته الكلمة التي تسكن كل قصةٍ وكل كتاب، الحب، فبدأ بالبحث عن معناها عن طريق جمع كل كلمةٍ في اللغة العربية ترتبط بها، وفي طريقه يعثر على بقايا حلمٍ في ورقةٍ نصف محروقة فيها بعضٌ من صورةٍ وبضع كلماتٍ ستغير حياته.

كتب ناصر خِمير نص الفيلم، مسحورًا بعصرٍ لا يسعى لتأريخه، متأثّرًا بآلام واقعٍ لا يُبصرها الكثيرون فيأتي بما غاب بسببها ليفتح أبصارهم، وحالمًا عاشقًا لكن ليس فقط لبشر، والنتيجة مرتكزةٌ إلى كل ما سبقَ وأكثر دون وضوح أي خطٍّ فاصلٍ بين ركنٍ وآخر، فالشخصيات بين التاريخية والفانتازية، الأحداث بين الحقيقية سهلة الربط بتجاربٍ وتأملاتٍ نختبرها والخيالية غير البعيدة عن خيالاتٍ وأحلامٍ نشأنا على مثلها، والحوارات تتناسب وما سبق ليصبح ورود أبسط الكلمات وأكثرها فصاحةً وفلسفةً متسقًا ولا إقحام فيه، محسنًا استغلال مواطن غنى وشاعرية الفصحى.

إخراج ناصر خِمير بإيقاعه الناعم كحواف الحرف المسافر لا يترك شغفًا ملكه إلّا ومرَّ عليه ليملك قلبنا به، دكاكين الورّاقين في الأندلس وهي في قمة زهوّها، قباب وأعمدة المساجد المزخرفة، المخطوطات وتفاصيل الجدران والأعمدة في الحارات والممرات الحاملة جميعها لغزلٍ بالخط العربي وانحناءاته، واللوحات البصرية التي يخلقها من التكوينات التي تستعرض ما سبق كلًّا على حدة أو باجتماعٍ آسر الدقة والعناية، وعلى عكس فيلمه السابق الذي لم تملك فيه كاميرته حدودًا في الصحراء الواسعة، هنا أغلب أحداث الفيلم بين الجدران وخلف الأبواب، كأسرار المحبين، لكن هذا لا يقف أمام كاميرته ليجعل تلك الأماكن المحدودة عالمًا يفيض شعرًا يذيب حدوده، وحين تنتقل الأحداث إلى خارج تلك الجدران والأبواب نرى من لطالما كان مولعًا بها تبادله التقدير، نرى الصحراء وقد هذبت بعض معالمها لتناسب رقة ما يروي، وتشارك طبعًا بالبطولة.

لكن لسببٍ أجهله، وبعد كل هذا، يقوم خِمير بخيارٍ غريب يُضرّ بمحور عمله، الدبلجة بإلقاءٍ شبه كارتونيّ بدل الإتيان بمن يتقنون اللغة التي لم تُصَغ لها قصيدةٌ سينمائية بهذا المستوى من قبل.

أداءات جيدة جدًّا من فريق العمل، تصوير ساحر أنصف شاعرية وغنى رؤية خِمير من جورج بارسكي، والذي ما كان ليجد كل ذاك الجمال المُلهم أمامه لولا تصميم إنتاج إنريكو فيورنتيني وتصميم أزياء نعمة جازي ومود بيرل، مع موسيقى استطاعت أن تكون رُكنًا في العمل لا مُجرّد مرافقٍ لصوره من جان-كلود بوتي ستذكرها وتهمهم بها طويلًا.

حاز على الجائزة الخاصة للجنة التحكيم في مهرجان لوكارنو.

لا يوجد تريلر للفيلم للأسف.

Wanderers of the Desert

“لا يدخلها إلا المُحبّون”

السنة 2016
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج ناصر خمير
المدة 95 دقيقة (ساعة و35 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية
تقييم IMDB 6.9

هناك حكمة طوارقيّة تقول: “هناك أراضٍ ملأى بالماء لصحة الجسد، وأراضٍ ملأى بالرمال لصحة الروح”، وهذا ينطبق بشكلٍ آسر ومبهر على فيلم الكاتب والشاعر والخطّاط الذي نُشر له 12 كتابًا، الرسّام والنّحّات الذي أقام معرضًا لـ260 لوحة و409 من أعماله النحتيَّة، الناشئ على حكايات ألف ليلة وليلة والمولع بها بشكلٍ معدٍ جعله يُدعى لقصّها على خشبة مسرح شايّو الوطني في فرنسا، والسيناريست والمخرج والممثل، التونسيّ ناصر خِمير.

يُبعث أستاذٌ (ناصر خمير) إلى قريةٍ نائيةٍ في الصحراء لا يجد لها دالّين أو عارفين، وهناك يُشغل عن غاية إرساله بقصصٍ وظواهرٍ لا سبيل إلى لمس الخط الفاصل بين حقيقتها وخيالها، باحثٌ عن كنزٍ أسطوريّ، حاجٌّ (عبدالعظيم عبدالحق) يروي ما يصعب فهمه، هائمون طائفون مترنّمون يُخشى لقاؤهم بقدر ما يُرغَب، وفتاةٌ (سونيا إيشتي) ساحرة وغامضة الحضور لا يصدر عن شفاهها إلا ما صاحبه نغم.

كتب ناصر خِمير نص الفيلم، مستعينًا بصلة روحه بالصحراء، والتي عُرِفَ عنها تَجَلّيها فيما يتجلى للتائه فيها من شخصياتٍ من خياله يسترشد بها، بينما هو في الحقيقة يقترب من فهمٍ أكبر لنفسه ككلٍّ وجزءٍ من كل، وتلك الشخصيات أبطال فيلمه، الأبطال المرئيون، أما البطل الحقيقي فهو الصحراء وما لها فيهم، وبقدر ما يظهر أن لا حدود للأفكار والخيوط الدرامية التي يمكن الإتيان بها من ذاك الإطار، بقدر ما يستطيع خِمير ضبط حكايته كمفسّرٍ لحلم، حيث يرسي دعائمها في واقع الحالم ويجعل حدود ما يرتكز لتلك الدعائم السماء، لذلك تبدو المشاهد كما لو أنها ومضاتٌ في خيال حالمٍ أنهى لتوه قراءة آخر حكايا ألف ليلة وليلة، لكنها أيضًا متكاملةٌ باجتماعها وتفاعلات الشخصيات ضمنها وترتيبها.

ومضاتٌ في خيال حالم، يمكن أن تعطي قراءة المشاهد في نص خِمير ذاك الانطباع لدى تحويل القارئ لها لصورٍ في خياله، لكن لا يمكن لخيال القارئ تصور إمكانية أن تصبح تلك الصور حقيقةً مرصودةً بكاميرا، وهذا بالفعل لم يحدث، ما حدث أن خِمير صنع صورًا أجمل وأكمل وأكثر قدرةً على نقلك لعالمٍ آخر، مع تصميم إنتاج روبرت ناربون وتصميم أزياء مود بيرل اللائقين بالأسطورة غير المحدودة بزمن التي يريد خِمير خلقها، ومع الكثبان الرملية وما تحمله منها الريح وما تشارك فيه الشمس من تدرّجاتٍ لونيّة، مع الصحراء، تصبح روحانية الصلة بين أبطاله وأساطيرهم وحكاياهم وهويتهم مرئية، وبالإيقاع التأمُّلي المستغرق يصبح مستكشفًا معك لا راويًا لما عرفه، مستكشفًا طامعًا دومًا بالمزيد، كالهائمين، كمن ستجد نفسك بينهم بعد أن يحل ظلام الصورة الأخيرة.

أداءات ممتازة من فريق العمل عدا خِمير نفسه الذي لم يُضف شيئًا تقريبًا لأي مشهدٍ له بشكلٍ غريب، على عكس الفتى المتميّز سفيان مَكني، مع تصوير مُتقن من جورج بارسكي يُسهّل استدراجك إلى الصحراء، وموسيقى كترنُّم الأجداد أضافت لصوفيّة الحالة من فتحي زغوندا.

حاز على السعفة الذهبية في مهرجان فالنسيا.

تريلر Wanderers of the Desert :

The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford

“إنه مجرد إنسان.”

السنة 2007
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج أندرو دومينيك
المدة 160 دقيقة (ساعتين و40 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي والإيحاءات الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.5

اعتبر براد بيت هذا الفيلم الأقرب إلى قلبه من بين كل ما قدمه، اعتبر روجر ديكنز مشهد سرقة القطار فيه أحد ذُُرى مسيرته كما ابتكر لتصويره تقنياتٍ جديدة، قضى رون هانسن مؤلف الرواية الأصل أسبوعًا في موقع التصوير وساعد في المونتاج ووجد أن كيسي آفليك قدّم رؤيته الخاصة للشخصية وقدم ما أشعره أنه وُلد لها، أمرٌ اتفق فيه مع سليلي جيسي جيمس الحقيقي الذين وجدوا أيضًا أن ما في هذا العمل هو أصدق صورة للأحداث الحقيقية. الجميع اتفقوا هنا على تقديم أفضل ما عندهم وعلى أن يكونوا جزءًا في بث الروح التي أرادها أندرو دومينيك لعمله، روحٌ لا مبالغة في القول أنها خالدة.

جيسي جيمس (براد بيت) زعيم إحدى أخطر وأشهر العصابات في الغرب الأمريكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مما يجعله طبعًا بطلًا للعديد من القصص والأساطير المتداولة، والتي لطالما كان روبرت فورد (كيسي آفليك) مولعًا بها وبتجميعها من الألسنة وأقاصيص الصحف والقصص المطبوعة، إلى أن أتته فرصة أن يكون جزءًا من عصابة جيسي، وبدأت صورة بطله في ذهنه تصبح أكثر تعقيدًا.

عن رواية رون هانسن كتب أندرو دومينيك نص الفيلم، مكثّفًا تركيزه على دراسة شخصياته، وآتيًا بنتائجٍ مجزيةٍ حد الكمال في حالة روبرت فورد باهتمامٍ كبير بتوقيت لحظات ظهوره وما تحمله معها من تطورٍ في شخصيته وفي معرفتك بها، ومقاربةٍ للكمال في حالة جيسي جيمس لمبالغةٍ بسيطة في الغموض حوله والذي يبدأ ضروريًّا وفي مكانه الصحيح لكنه لا يستمر كذلك حتى النهاية، وفي الحالتين لا تتوقف طوال الفيلم عن السعي لكشف تفاصيلٍ جديدة في ملامحهم لا يُقدّمها دومينيك على طبق، بل بلقاءاتٍ ذكية غنية بالتفاصيل تحضيرًا وبناءً وحوارًا.

إخراج أندرو دومينيك واضح التحكم بجميع مفاصل الفيلم، لكن ليس بحيث يحول الأمر لاستعراض عضلاتٍ على حساب ما يرويه، على العكس، دومينيك يبذل كل ما يستطيعه لجعل كل ما ومن يظهر أمام كاميرته وكل من يقف خلفها مضيفًا للحالة التأملية مهيبة الوقع والمستثيرة للفكر التي يجتهد في تدعيمها طوال الفيلم بثقةٍ بما يبذله لا بتجريبٍ قلق، ثقةٍ يثبت مرةً تلو الأخرى أنها في محلها، بأسلوبه الهادئ الاستثنائي في بناء التوتّر لجعل الحبل بينك وبين ما تشاهد متينًا بقدر ما هو مشدود، بحساسية عدسته للتفاصيل سواءً في المحيط الساحر الحامل لروح ووحشية العصر وروح قصته بغموضها وحلوها ومرّها، أو في ملامح ممثليه ولغتهم الجسدية التي قلما نجد اهتمامًا بها كما نجد هنا، مترافقًا طبعًا ليؤتي ثماره مع إدارةٍ متميزة، وبتحدٍّ يكسبه بأن ما يقوله عنوان الفيلم والذي يُعتبر عادةً سرًّا يزيد الإثارة لن يستطيع أن يضعف أثر وقوعه أمامك، ولحظة فوزه بذاك التحدي ستكون من أروع ما شاهدت.

أداء رائع، كثيف الأثر وقوي السلطة على الذاكرة من كيسي آفليك يُسلّم جسده فيه لـ روبرت فورد بالكامل لا مُجرّد بعض ملامحه وكلماته، يرافقه أداء ملؤه الجاذبية والغموض ومهابة الحضور يرتقي بمسيرة براد بّيت، مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل وخاصةً سام روكويل.

تصوير إعجازي من أحد أكبر أساتذة النور والظلام في عصرنا روجر ديكنز يُفيد من كُل ما وصلته تقنيات عصرنا للعبور إلى عصر القصة بمتوالياتٍ مُسكِرة جمالًا واستثنائيةً في تفاصيل التكوين والقدرة على استغلال المساحة والإضاءة الموجودة لصالحه، ومن الصعب إيجاد ما يليق بالصور الناتجة إلا أن موسيقى نيك كيف ووارين إيليس تجاريها وتضيف إليها ولحالة الفيلم وتزيد من مُدة مرافقته لك بعد انتهائه.

حاز على 25 جائزة أهمها كأس فولبي لأفضل ممثل في مهرجان البندقية (براد بّيت)، ورُشح لـ67 أخرى أهمها أوسكارين لأفضل تصوير وأفضل ممثل بدور مساعد (كيسي آفليك).

تريلر The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford :